وقد حرر أئمة التفسير المسند (ابن جرير الطبري في «جامع البيان»، وابن كثير في «تفسير القرآن العظيم»، والبغوي في «معالم التنزيل»):
الآثار الصحيحة في استجابة الدعوات السبع:
ثبت في «صحيح مسلم» (الرقم: 125)صحيح مسلممسلمحديث رقم ١٢٥ من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قرأ هذه الدعوات: «﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: نَعَمْ، ﴿رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾ قَالَ: نَعَمْ، ﴿رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ قَالَ: نَعَمْ».
وفي رواية ابن عباس عند مسلم (الرقم: 126)مصدر غير محددحديث رقم ١٢٦: «قَالَ: قَدْ فَعَلْتُ، قَدْ فَعَلْتُ، قَدْ فَعَلْتُ...».
وروى أحمد والترمذي وصححه عن معاذ بن جبل رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا ختم سورة البقرة وقرأ: ﴿فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ قال: «آمِينَ».
ضبط القراءات والروايات المتواترة:
قوله تعالى: ﴿وُسْعَهَا﴾: قرأ الجمهور بضم الواو وسكون السين: ﴿وُسْعَهَا﴾، وقرأ ابن محيصن ومجاهد بكسر الواو: ﴿وِسْعَهَا﴾، وهما لغتان.
قوله تعالى: ﴿وَاعْفُ عَنَّا﴾: حذف واو الفعل وصلاً للبناء على حذف حرف العلة، وضمة الفاء دالة عليها.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
وُسْعَهَا: الوُسْع بضم الواو: الطاقة والقدرة والإمكان وما تسعه طاقة الإنسان دون مشقة فادحة أو حرج خارج عن المعتاد، وهو دون الجَهد الأقصى.
كَسَبَتْ وَاكْتَسَبَتْ: فارق دقيق خارق في البناء الصرفي والاشتقاق:
في الخير قال: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ﴾ بالفعل المجرد «كسبت»؛ لأن الخير موافق للفطرة السليمة، يفيض باليسر والرحمة، وتتلقاه النفس المؤمنة بارتياح ورغبة.
في الشر والسيئة قال: ﴿وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ بالفعل المزيد بالتاء «اكتسبت» بصيغة الافتعال الدالة على التكلف والمعاناة والاجتهاد في تحصيل المعصية ومجاهدة وخز الضمير والشرع.
إِصْرًا: الإصر هو الثقل والعبء الشديد والعهد الثقيل المشدد، والمراد به التكاليف الشاقة التي كانت على بني إسرائيل عقوبة لهم كقتل أنفسهم في التوبة وقرض مواضع النجاسة بالمقاريض.
مَوْلَانَا: المَوْلى هو السيد والناصر والمعين والمتولي لأمورنا كلها، والولاية هنا ولاية النصرة والتوفيق الخاصة بأهل الإيمان.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
التأسيس الأصولي الأعظم لقاعدة رفع الحرج والتيسير:
صدرت الآية بالقاعدة الدستورية الكلية للشريعة الإسلامية: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾، لتقرر أن جميع تكاليف الإسلام مقدورة وميسورة للإنسان، وأن العسر يجلب التيسير، وأن المشقة مسقطة أو مخففة للتكليف.
منظومة الدعوات السبع النبوية الجامعة:
انتظمت الآية في سبع دعوات جليلة ترتبت في غاية الإحكام:
نفي المؤاخذة عن النسيان والخطأ غير المتعمد: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾.
الدعاء بالأمان من المصائب والنوازل والمحن التي لا يطاق حملها: ﴿رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾.
طلب العفو بمحو الذنوب والصفح عنها: ﴿وَاعْفُ عَنَّا﴾.
طلب المغفرة بستر العيوب والتجاوز: ﴿وَاغْفِرْ لَنَا﴾.
طلب الرحمة الجامعة بإفاضة النعم ودخول الجنة: ﴿وَارْحَمْنَا﴾.
طلب النصر والتمكين على أعداء الدين: ﴿فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة تكليف ما لا يطاق:
دار جدل كلامي قديم بين الأشاعرة والمعتزلة حول جواز التكليف بما لا يطاق عقلاً وشرعاً، واحتج بعضهم بطلب رفع ذلك: ﴿رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾.
المحاكمة الأصولية والعقدية عند أهل السنة:
التكليف الشرعي بما لا يطاق ممتنع ومنفي شرعاً وواقعاً بنص قوله الصريح: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾؛ فالشريعة لم تكلف العباد بالطيران في الهواء ولا بجمع الضدين.
أما قوله: ﴿وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ فالمراد بالتحميل هنا «المصائب والأقدار المؤلمة والمحن والفتن الشديدة» التي تعجز النفوس عن الصبر عليها، وليس المراد به التكاليف الشرعية الفرعية؛ كالدعاء بالسلامة من الأمراض القاتلة، والفقر المدقع، وتسلط الأعداء، فالدعاء مشروع بالاستعاذة من جهد البلاء ودرك الشقاء وسوء القضاء.
تكرار التوسل بربوبية الله الخاصة المنبثقة من التربية والرعاية واللطف، في كل دعوة من الدعوات الثلاث الكبرى؛ إلحاحاً في المسألة وإظهاراً لكمال الافتقار والاضطرار للرب الكريم.
التدرج البلاغي الصاعد من العفو إلى المغفرة إلى الرحمة:
ترقت الدعوات من الأدنى إلى الأعم والأشمل:
«العفو»: محو إساءة المعاصي وإسقاط المطالبة بها.
«المغفرة»: ستر الذنب وحفظه من الفضيحة مع وقاية أثره.
ربط النصر بولاية الله وحده؛ فما دامت الأمة متولية لله معترفة بعبوديتها، فلن يخذلها الله ولن يسلمها لعدوها، بل نصرها محتوم موعود.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
اليقين برحمة الشريعة ورفع الحرج:
يستشعر المؤمن في كل عبادة يؤديها سعة رحمة الله وتيسيره؛ فلا حرج في الدين، والرخص الشرعية عند المرض والسفر دليل على كمال الوسع الإلهي.
التدرع بالدعاء النبوي الجامع المستجاب:
هذه الخاتمة العظيمة هي حصن المسلم المنيع، وقد استجاب الله كل حرف فيها للأمة المحمدية فقال «قد فعلت»؛ فينبغي للمسلم أن يلهج بها دائماً في صلواته وخلواته مستيقناً بإجابة مولاه، طالباً العز والتمكين للإسلام والمسلمين في مشارق الأرض ومغاربها.