أخرج ابن أبي حاتم في تفسيره (ج٢، ص٣٩٢) والواحدي في أسباب النزول (ص٦٩) من طريق السدي قال: نزلت في رؤساء قريش كأبي جهل والوليد بن المغيرة وأبي بن خلف وعتبة وشيبة ابني ربيعة؛ رأوا فقراء المؤمنين كبلال وعمار وصهيب وابن مسعود وخباب، فسخروا منهم وقالوا: انظروا إلى هؤلاء الذين يزعم محمد أنهم أتباعه وأنهم ملوك الجنة! فأنزل الله الآية.
وروى ابن عباس رضي الله عنهما في أثر أخرجه الطبري (ج٤، ص٢٧٠)مصدر غير محدد٤/٢٧٠: أنها نزلت في أحبار يهود قريظة والنضير حين سخروا من مهاجري المؤمنين في المدينة لفقرهم وضيق ذات يدهم.
الآثار والمرويات التفسيرية المسندة:
أخرج مسلم في صحيحه (كتاب الزهد والرقائق، حديث رقم ٢٩٥٦) من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن فقراء المهاجرين يسبقون الأغنياء يوم القيامة إلى الجنة بأربعين خريفاً».
وروى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث حارثة بن وهب الخزاعي رضي الله عنه، أنه سمع النبي ﷺ يقول: «ألا أخبركم بأهل الجنة؟ كل ضعيف متضعف، لو أقسم على الله لأبره. ألا أخبركم بأهل النار؟ كل عُتُلٍّ جَوَّاظٍ مستكبر».
التخريج الحديثي وضبط الروايات:
أخرج الترمذي في جامعه (رقم ٢٣٢٠) وصححه، من حديث سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى كافراً منها شربة ماء». وهو بيان نبوي لمعنى قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾؛ حيث يعطي الدنيا لمن يحب ومن لا يحب، ولا يعطي الدين إلا لمن يحب.
*صحيحه* (كتاب الزهد والرقائق، حديث رقم ٢٩٥٦)مصدر غير محددحديث رقم ٢٩٥٦*أسباب النزول* (ص٦٩)أسباب النزولالواحدي٦٩*تفسيره* (ج٢، ص٣٩٢)مصدر غير محدد٢/٣٩٢*جامعه* (رقم ٢٣٢٠)مصدر غير محددحديث رقم ٢٣٢٠
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
زُيِّنَ
فعل مبني لما لم يُسمَّ فاعله، والتزيين: تحسين الشيء وجعله محبباً إلى النفس وتزويقه ليرغب فيه الرائي، والمزيّن إما الشيطان بوسوسته وإما النفس بهواها أو الله تعالى قدراً وخلقاً بحسب ناموس الابتلاء.
يَسْخَرُونَ
السخرية والاستهزاء: احتقار الآخرين وإظهار النقص فيهم بالقول أو الفعل أو الإشارة، يقال: سخر منه وسخر به لغتان.
الواو حالية أو عاطفة، ﴿يَسْخَرُونَ﴾ فعل مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل.
مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا
جار ومجرور متعلق بيسخرون.
وَالَّذِينَ اتَّقَوْا
الواو استئنافية، ﴿الذين﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ، وجملة ﴿اتَّقَوْا﴾ صلته.
فَوْقَهُمْ
ظرف مكان منصوب متعلق بمحذوف خبر المبتدأ، والهاء مضاف إليه.
يَوْمَ الْقِيَامَةِ
ظرف زمان متعلق بالاستقرار في الخبر المحذوف.
وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ
الواو استئنافية، اسم الجلالة مبتدأ، وجملة ﴿يَرْزُقُ﴾ خبره، ﴿مَنْ﴾ مفعول به، ﴿يَشَاءُ﴾ صلة الموصول، و﴿بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ جار ومجرور متعلق بمحذوف حال من الفاعل أو المفعول.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
وجه المناسبة بين الآية وما قبلها:
بعد أن فضح الله موقف بني إسرائيل والكفار من الآيات البينات وتبديلهم النعمة، كشف هنا الباعث النفسي والعلة الباطنة وراء هذا الجحود، وهو الانبهار بزخرف الحياة الدنيا وافتتانهم بها، مما جعلهم ينظرون بازدراء إلى أهل الإيمان المستضعفين، فعقب ببيان المآل الحقيقي وموازين القيامة العادلة.
التناسب الداخلي وبناء الفاصلة القرآنية:
تقابلت السخرية الدنيوية الزائلة في الدنيا ﴿وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ مع الاستعلاء الأبدي في الآخرة ﴿وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾.
ختم الآية بقوله ﴿وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ يصحح التصور الخاطئ الذي يربط بين كثرة الرزق المالي ومحبة الله ورضاه؛ فرزق الدنيا يعطى للمؤمن والكافر، ولكن رزق الآخرة والكرامة مخصوص بالمتقين.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
تصحيح المعايير والموازين القيمية:
تكشف الآية زيف المادية الصرفة التي تقيس أقدار الرجال وشرفهم بالثروات والمظاهر والجاه العاجل؛ وهي آفة الجاهليات في كل عصر؛ حيث تظن الطبقة المترفة أن تفوقها المالي دليل على استحقاقها القيادة والسيادة، وأن الفقر نقيصة، فبينت الآية أن الميزان الحقيقي عند الله هو التقوى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾.
تسلية المؤمنين وتثبيت قلوبهم أمام سخرية المبطلين:
سخرية أهل الباطل من أهل الإيمان سنة ماضية، وعلاجها القرآني استحضار مشهد الآخرة حين تنقلب الموازين ويكون المستضعفون في أعلى عليين والجبابرة المستكبرون تحت أقدامهم في الدرك الأسفل.
البعد البياني والبلاغي والإشاري والتدبري
الأسرار البلاغية والبيانية:
بناء الفعل ﴿زُيِّنَ﴾ للمجهول لإبراز مفعول الزينة وفتنتها، ولدلالة اللفظ على كثرة أسباب التزيين: من وساوس إبليس، وشهوات النفس، وحطام العاجلة، حتى صار الشرك قبيحاً مكسواً بحلية الحسن عندهم.
إظهار الاسم الموصول ﴿وَالَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ بدلاً من الضمير، لربط علو المنزلة بوصف التقوى، فكأن التقوى هي سبب الفوقية والشرف يوم القيامة.
الإشارات الإيمانية ولطائف التدبر:
قال ابن القيم في طريق الهجرتين (ص٢٩١): «الدنيا خضرة حلوة، قُدمت لأهل الشقاء فافتتنوا بها، بينما المتقون علموا أنها مزرعة الآخرة، فاشتروا الباقية بالفانية، فرُفعت درجاتهم فوق كل مستكبر مغرور».
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الثمرات السلوكية والتطبيق المعاصر:
الصمود النفسي والإيماني للدعاة والمصلحين في وجه حملات التشويه والسخرية والإعلام المغرض من قِبل التيارات المادية المستكبرة.
عدم الاغترار بما يملكه أعداء الدين من تقنيات وأموال وثروات زائلة، وإدراك أنها استدراج ومتاع قليل.
شهادات الأعلام ورؤى المصلحين:
كتب سيد قطب في الظلال (ج١، ص٢٠٦): «إنها المعركة الأبدية بين الموازين الأرضية الهابطة والموازين السماوية العالية... والمؤمن الذي يتصل قلبه بنور الله يستعلي على كل هذه الزخارف، ويعلم علم اليقين أن الساخرين اليوم هم الأذلون غداً».