الآية معطوفة على قوله في الآية السابقة: ﴿فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾؛ لبيان الشق الثاني من المعادلة الأسرية: إذا انقضت أربعة أشهر ولم يختر الزوج الفيئة والرجوع، بل صمم على الفراق وعزم الطلاق، فإن الله سميع لنطقه بالطلاق عليم بنيته وقصده وظلمه إن كان ظالماً.
روى الطبري في جامع البيان عن ابن مسعود وعثمان بن عفان وزيد بن ثابت قالوا في المولي: «إذا مضت الأربعة أشهر وُقف؛ فإما أن يفيء وإما أن يعزم الطلاق فيطلق».
الآثار والمرويات التفسيرية المسندة:
أخرج أبو داود في سننه (كتاب الطلاق، باب في كراهية الطلاق، حديث رقم ٢١٧٨)، وابن ماجه (رقم ٢٠١٨)مصدر غير محددحديث رقم ٢٠١٨، والحاكم وصححه، من حديث ابن عمر رضي الله عنهما، أن رسول الله ﷺ قال: «أبغض الحلال إلى الله الطلاق».
وروى البخاري في صحيحه (كتاب الطلاق، باب من طلّق وهل يواجه الرجل امرأته بالطلاق، حديث رقم ٥٢٦٠) عن عائشة رضي الله عنها، في بيان مشروعية الطلاق عند تعذر الوفاق واستحكام النفور بين الزوجين.
التخريج الحديثي وضبط الروايات:
أخرج مسلم في صحيحه (كتاب صفة القيامة والجنة والنار، حديث رقم ٢٨١٣) من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «إن إبليس يضع عرشه على الماء، ثم يبعث سراياه، فأدناهم منه منزلة أعظمهم فتنة، يجيء أحدهم فيقول: فعلت كذا وكذا، فيقول: ما صنعت شيئاً، قال: ثم يجيء أحدهم فيقول: ما تركته حتى فرقت بينه وبين امرأته، قال: فيدنيه منه ويقول: نِعْمَ أنت! فيلتزمه».
*صحيحه* (كتاب الطلاق، باب من طلّق وهل يواجه الرجل امرأته بالطلاق، حديث رقم ٥٢٦٠)مصدر غير محددحديث رقم ٥٢٦٠*سننه* (كتاب الطلاق، باب في كراهية الطلاق، حديث رقم ٢١٧٨)مصدر غير محددحديث رقم ٢١٧٨*صحيحه* (كتاب صفة القيامة والجنة والنار، حديث رقم ٢٨١٣)مصدر غير محددحديث رقم ٢٨١٣
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
عَزَمُوا
العزم في اللغة: عقد القلب وتصميمه الجازم على إمضاء الأمر والقطع به دون تردد؛ يقال: عزم الأمر إذا جد، وعزم على كذا إذا ثبت رأيه عليه.
الطَّلَاقَ
مصدر طَلَقَت المرأة تطْلُق طلاقاً؛ وأصله في اللغة: التخلية وحل القيد وفك الإسار؛ يقال: أطلق الأسير إذا حل قيده وخلاه، والطلاق في الشرع: حل رابطة الزوجية الصحيحة بلفظ مخصوص أو ما يقوم مقامه.
عليم بنيات النفوس ومقاصدها وما تكنه الصدور من رغبة في الإضرار أو الإنصاف.
وَإِنْ عَزَمُوا
الواو عاطفة، ﴿إنْ﴾ شرطية جازمة، ﴿عزموا﴾ فعل ماضٍ مبني على الضم في محل جزم فعل الشرط، والواو فاعل.
الطَّلَاقَ
مفعول به منصوب بالفتحة الظاهرة (على تضمين عزموا معنى نووا أو أوقعوا، أو بتقدير حرف الجر أي عزموا على الطلاق).
فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ
الفاء واقعة في جواب الشرط، ﴿إنَّ﴾ حرف توكيد ونصب واسم الجلالة اسمها، و﴿سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ خبران مرفوعان، والجملة في محل جزم جواب الشرط.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
وجه المناسبة بين الآية وما قبلها:
كمال التناسب والتقابل في النظم التشريعي: قابل قوله: ﴿فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ بقوله: ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾؛ فالفيء يقابله الطلاق، والرحمة والمغفرة في الفيء تقابلها التهديد والتحذير بالسمع والعلم في الطلاق؛ لأن الطلاق هدم لكيان الأسرة فلا ينبغي أن يُصار إليه إلا مع اليقين بتعذر الإصلاح.
التناسب الداخلي وبناء الفاصلة القرآنية:
مناسبة الفاصلة ﴿سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ لمقام عزم الطلاق؛ فالطلاق يقع بالتلفظ الذي يسمعه الله تعالى، وبالعزم الباطني الذي يعلمه سبحانه؛ وفي هذا إشعار بأن الزوج إذا تعسف في استعمال حقه أو قصد مضارة الزوجة، فإن الله له بالمرصاد يسمع كلامه ويعلم سريرته وسيجازيه على ظلمه.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
مشروعية الطلاق كحل أخير للعقد المستعصية:
تُثبت الآية واقعية الإسلام وعميق معالجته للنفس البشرية؛ فالشريعة لا تجبر الزوجين على البقاء في جحيم الشقاق والعداوة إذا ماتت المودة واستحكم النفور وتعذر الوفاق بعد استنفاد كل المهل ومحاولات الإصلاح، فالطلاق في مثل هذه الحال رحمة ودواء جراحي لا بد منه، بخلاف الشرائع المحرفة التي تحرم الطلاق تحريماً مطلقاً فتوقع الناس في الفواحش والجرائم والتعاسة الأبدية.
دلالة ﴿عَزَمُوا الطَّلَاقَ﴾ على اشتراط التلفظ أو الوقوف عند الحاكم:
استدل جمهور الفقهاء بهذه الآية على أن مضي الأربعة أشهر لا يوقع الطلاق بذاته، بل لا بد من تلفظ بالطلاق أو عزم صريح يُترجم إلى طلاق؛ لأن العزم فعل قلبي يتطلب إيقاعاً، ولو كان الطلاق يقع تلقائياً بمضي المدة لما قال: ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ﴾، بل لقال: "وإن مضت المدة فقد وقع الطلاق".
البعد البياني والبلاغي والإشاري والتدبري
الأسرار البلاغية والبيانية:
التعبير بـ ﴿عَزَمُوا﴾ دون "أرادوا" أو "همّوا"؛ للإشعار بأن الطلاق أمر خطير لا ينبغي أن يقع بنزوة عابرة أو غضبة طارئة، وإنما بعد روية وتصميم واستقرار رأي وعزم قاطع.
الوعيد الضمني في ختام الآية بـ ﴿فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ دون التصريح بالعقوبة؛ ليكون الردع أعمق في الضمير وأوقع في الوجدان الإنساني.
الإشارات الإيمانية ولطائف التدبر:
قال الإمام القرطبي في تفسيره (ج٣، ص١١١): «في قوله ﴿فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ وعيد وتحذير؛ أي سميع لأقوالكم عند الطلاق، عليم بمقاصدكم ونياتكم: أطلقتم إبقاءً على حدود الله وتخليصاً للمرأة من الشقاء، أم طلقتم إضراراً وعدواناً وعتواً؟ وسيجازي كل إنسان بما كسبت يداه».
*تفسيره* (ج٣، ص١١١)مصدر غير محدد٣/١١١
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الثمرات السلوكية والتطبيق المعاصر:
التريث والتعقل وعدم التسرع في اتخاذ قرار الطلاق حتى تُستنفد كل فرص المراجعة والصلح.
الامتناع التام عن مضارة المطلقة أو ابتزازها في حقوقها المالية وحضانتها عند وقوع الفراق.
شهادات الأعلام ورؤى المصلحين:
كتب سيد قطب في في ظلال القرآن (ج١، ص٢٣٠): «الطلاق في الإسلام ليس لعبة ولا نزوة، ولكنه مخرج أخير حين تصبح الحياة المشتركة مستحيلة... والقرآن يحوط هذه اللحظة الحاسمة برقابة الله السميع العليم، ليبقى الضمير حياً والعدل قائماً حتى في لحظات الفراق».