الآية متصلة بأحكام المعتدات من الوفاة أو الطلاق البائن؛ لبيان ما يحل للخاطب وما يحرم أثناء فترة العدة؛ رعاية لمشاعر الحزن وصيانة لحرمة الميثاق السابق مع التيسير على النفوس بمراعاة ميلها الفطري.
أخرج ابن جرير الطبري في جامع البيان، وابن أبي حاتم (ج٢، ص٤٨٨)مصدر غير محدد٢/٤٨٨ عن مجاهد وابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ﴾ قال: هو أن يقول الرجل للمرأة في عدتها: إني فيكِ لراغب، وإني لأحب أن يجمع الله بيني وبينك، وإنكِ لصالحة، وإن النساء لمن حاجتي، ونحو ذلك من الكلام الذي يفهم منه الرغبة بغير تصريح جازم.
الآثار والمرويات التفسيرية المسندة:
أخرج مسلم في صحيحه (كتاب الطلاق، باب المطلقة ثلاثاً لا نفقة لها، حديث رقم ١٤٨٠) من حديث فاطمة بنت قيس رضي الله عنها حين طلّقها زوجها ثلاثاً وأمرها النبي ﷺ أن تعتد في بيت ابن أم مكتوم، وقال لها: «فإذا حللت فآذنيني»، فلما حلت خطبها معاوية وأبو جهم وأسامة بن زيد؛ فنبهها النبي ﷺ على الأصلح لها وزوجها أسامة.
وروى البخاري تعليقاً عن ابن عباس في قوله: ﴿وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا﴾: «السر: الزنى، أو ألا يأخذ عليها ميثاقاً ألا تتزوج غيره».
التخريج الحديثي وضبط الروايات:
أخرج ابن أبي شيبة في المصنف (رقم ١٦٨٥٥) وعبد الرزاق (رقم ١٠٥٠٥)مصدر غير محددحديث رقم ١٠٥٠٥صحيح بإسناد صحيح عن القاسم بن محمد وسالم بن عبد الله بن عمر، في التعريض بخطبة المتوفى عنها زوجها، مبيناً اتفاق الصحابة على جواز التعريض وتحريم التصريح وعقد النكاح في العدة.
*صحيحه* (كتاب الطلاق، باب المطلقة ثلاثاً لا نفقة لها، حديث رقم ١٤٨٠)مصدر غير محددحديث رقم ١٤٨٠*المصنف* (رقم ١٦٨٥٥)مصدر غير محددحديث رقم ١٦٨٥٥
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
عَرَّضْتُمْ
التَّعريض: الإيماء والتلويح بالكلام ضد التصريح؛ مأخوذ من عُرْض الشيء وهو جانبه؛ كأن المتكلم يميل بكلامه إلى جانب يفهم منه المعنى دون النص الصريح عليه.
خِطْبَةِ
الخِطبة (بكسر الخاء): طلب المرأة للزواج؛ وأما الخُطبة (بضم الخاء) فهي الموعظة والكلام المقفى على المنبر.
أَكْنَنْتُمْ
الإكنان: الإخفاء والإضمار في الصدر؛ يقال: أكننت الشيء في صدري إذا سترته وأخفيته.
سِرًّا
السر هنا فُسر بمعانٍ: النكاح، أو الزنى، أو المواعدة الصريحة على الزواج أثناء العدة في خفاء.
عُقْدَةَ النِّكَاحِ
إبرام العقد وتوثيقه وربطه؛ وشُبه العقد بالعقدة الحبلية لتوثقه واستحكامه.
الْكِتَابُ أَجَلَهُ
الكتاب هنا ما كتبه الله وفرضه من مدة العدة؛ وبلوغ الأجل انقضاء العدة تماماً.
وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ
الواو استئنافية، جملة نفي الجنس خبرها متعلق بعليكم.
جملة مستأنفة مقررة؛ ﴿علم﴾ ماضٍ واسم الجلالة فاعل، والمصدر المؤول من أن واسمها وخبرها سد مسد مفعولي علم.
وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا
الواو عاطفة، ﴿لكن﴾ للاستدراك، ﴿لا﴾ ناهية جازمة، ﴿تواعدوهن﴾ مضارع مجزوم بحذف النون والهاء مفعول أول، ﴿سِرًّا﴾ مفعول ثانٍ أو منصوب على الحالية أو نائب عن المفعول المطلق.
إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا
استثناء منقطع أو متصل؛ ﴿أن تقولوا﴾ في محل نصب، ﴿قولاً﴾ مفعول مطلق، و﴿معروفاً﴾ نعت.
تحذير مهيب من تجاوز حدود الله ومراقبة علمه الباطن.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
وجه المناسبة بين الآية وما قبلها:
لما أوجب الله في الآية السابقة على المتوفى عنها زوجها أن تتربص أربعة أشهر وعشراً وتحد، وتطلع الرجال إلى خطبتها لجمالها أو فضلها، خشي أن يضيق الناس بذلك أو يقعوا في المحظور؛ فبينت هذه الآية ما يُرخص فيه وما يُمنع؛ فرخص في التعريض والإكنان في النفس رحمة بالطبع البشري، وحرم التصريح والمواعدة سراً وعقد النكاح صيانة لحرمة العدة.
التناسب الداخلي وبناء الفاصلة القرآنية:
الموازنة البديعة بين طبيعة النفس البشرية ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ﴾ وبين الحزم التشريعي الصارم ﴿وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾.
التعقيب بالجمع بين الرهبة والرغبة: ﴿فَاحْذَرُوهُ﴾ ثم ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾؛ ترسيخاً للمراقبة مع فتح باب الرجاء لمن هفا أو جال في نفسه خاطر فعفّ وكتم.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
التصريح محرم بالإجماع: كأن يقول: "أتزوجك بعد انقضاء عدتك" أو "أريد نكاحك"؛ لما فيه من الجرأة وهتك حرمة العدة، ولأنه قد يدفع المرأة إلى الكذب في انقضاء عدتها استعجالاً للنكاح.
التعريض مباح في عدة الوفاة والطلاق البائن: كأن يقول: "إني فيكِ لراغب"، "مَن يجد مثلكِ؟"، "لا تفوتيني بنفسكِ"، لما فيه من الإيماء اللطيف الذي يراعي مشاعر المرأة ولا يهتك حجاب الحياء ولا يمس قدسية العدة.
التعريض محرم في عدة الطلاق الرجعي: لأن الرجعية زوجة ما دامت في العدة وحق الرجعة لزوجها قائم، فلا يحل لأجنبي أن يعرض لها.
بطلان عقد النكاح في العدة وتحريمه المؤبد عند المالكية:
أجمع العلماء على أن عقد النكاح في العدة عقد باطل مفسوخ بإجماع المسلمين: ﴿وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾؛ وتفرد الإمام مالك والليث بن سعد بقضاء عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن من تزوج امرأة في عدتها ودخل بها فُرِّق بينهما وحرمت عليه حرمة مؤبدة معاقبة له بنقيض قصده؛ وذهب الجمهور (أبو حنيفة والشافعي وأحمد) إلى أنهما يفترقان فإذا انقضت عدتها جاز له أن يخطبها ويعقد عليها بعقد جديد، وتأولوا قضاء عمر على أنه كان تعزيراً مؤقتاً ثم رجع عنه رضي الله عنه.
البعد البياني والبلاغي والإشاري والتدبري
الأسرار البلاغية والبيانية:
التعبير بـ ﴿أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ﴾؛ مبالغة في كتمان الحب والرغبة، واعتراف قرآني كريم بالمشاعر الإنسانية الفطرية التي لا يملك الإنسان دفعها عن قلبه.
النهي عن عزم العقد ﴿وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ﴾ بدلاً من "ولا تعقدوا"؛ مبالغة في الزجر والنهي؛ لأن النهي عن العزم على الشيء نهي عن فعله بطريق الأولى والأبلغ، وسداً لكل الذرائع المفضية إلى العقد المحرم.
الإشارات الإيمانية ولطائف التدبر:
قال الإمام ابن كثير في تفسيره (ج١، ص٦١٢): «عَلِمَ الله ما ركّب في طبائع الرجال من الميل إلى النساء، فلم يكلفهم كتمان ما لا طاقة لهم به من حديث النفس وخاطر القلب، بل رفع الجناح عن التعريض والإكنان، وحرم الجراءة على التصريح والعقد صيانة لحدوده وحفظاً للأنساب».
*تفسيره* (ج١، ص٦١٢)مصدر غير محدد١/٦١٢
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الثمرات السلوكية والتطبيق المعاصر:
صيانة فترة العدة والأحزان الأسرية من التطفل والابتذال وتجاوز حدود الحياء الشرعي.
استحضار هيبة الله في العلاقات العاطفية ومراعاة علمه بما تجنه الضمائر: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ﴾.
شهادات الأعلام ورؤى المصلحين:
كتب الشيخ السعدي في تيسيره (ص١٠٦): «في هذه الآية دليل على لطف الله بالعباد ومراعاته لأحوالهم النفسية؛ حيث أباح لهم ما تدعو إليه الحاجة من التعريض والإضمار، وحرم عليهم ما يترتب عليه الفساد والاعتداء من التصريح والعقد قبل الأجل، فكان تشريعاً جامعاً بين الرحمة والعدل».
الدلائل والإشارات:
إباحة التعريض بخطبة المعتدة من وفاة أو بائن دون تصريح: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ﴾.
إباحة إضمار الرغبة في النكاح في النفس دون إظهارها: ﴿أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ﴾.
تحريم المواعدة سراً على النكاح أثناء العدة: ﴿وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا﴾.
تحريم إبرام عقد النكاح أثناء العدة وبطلانه إجماعاً: ﴿وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾.
التحذير الإلهي البالغ من مراقبة ما تكنه النفوس والترغيب في مغفرة الله وحلمه: ﴿فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾.