هذه الآية متممة ومقابلة للآية السابقة؛ فالسابقة فيمن طلقت قبل الدخول ولم يُسمَّ لها مهر، وهذه فيمن طلقت قبل الدخول وقد سُمي لها مهر محدد في العقد، فبين الله أن الواجب لها هو "نصف المهر المسمى"، إلا أن يحصل عفو وإسقاط من أحد الطرفين ترغيباً في الفضل والتقوى.
أخرج ابن جرير الطبري في جامع البيان عن ابن عباس والشعبي وقتادة: نزلت هذه الآية في بيان قسمة المهر المسمى عند وقوع الفراق قبل الدخول.
الآثار والمرويات التفسيرية المسندة:
أخرج البخاري تعليقاً بصيغة الجزم (كتاب النكاح، باب من بيده عقدة النكاح)، ورواه ابن أبي شيبة في المصنف (رقم ١٦٤١٢) والبيهقي (ج٧، ص٢٥٤)مصدر غير محدد٧/٢٥٤صحيح بإسناد صحيح عن علي بن أبي طالب وابن عباس وجبير بن مطعم وسعيد بن المسيب: أن ﴿الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ هو الزوج؛ لأنه هو الذي يملك إمضاء النكاح أو حلّه بالطلاق، فإذا عفا الزوج دفع لها المهر كاملاً ولم يقتصر على النصف.
وروى مالك في الموطأ (كتاب النكاح، باب الذي بيده عقدة النكاح، حديث رقم ١١٢٤) عن ابن عباس في رواية أخرى، وعن شريح وطاووس والزهري: أنه الولي (الأب أو الوصي) الذي يلي عقد نكاح البكر أو الصغيرة؛ ورجح الجمهور القول الأول بصحة الأدلة وقوتها.
التخريج الحديثي وضبط الروايات:
أخرج الدارقطني في سننه (ج٣، ص٢٨٠)، والحاكم في المستدرك (ج٢، ص١٨١) وصححه عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده رضي الله عنه، عن النبي ﷺ قال: «ولي عقدة النكاح هو الزوج»، وهذا نص صريح مرفوع يرجح مذهب علي وابن عباس وجماهير أهل الفقه.
*الموطأ* (كتاب النكاح، باب الذي بيده عقدة النكاح، حديث رقم ١١٢٤)الموطأمالك بن أنسحديث رقم ١١٢٤*المستدرك* (ج٢، ص١٨١)المستدرك على الصحيحينالحاكم النيسابوري٢/١٨١*المصنف* (رقم ١٦٤١٢)مصدر غير محددحديث رقم ١٦٤١٢*سننه* (ج٣، ص٢٨٠)مصدر غير محدد٣/٢٨٠
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ
استحقاق المرأة نصف الصداق المسمى؛ لأن العقد أوجب المهر كاملاً، والفرقة قبل الدخول أحدثت نقصاً، فنُصِّف الصداق عدلاً بين الزوجين.
يَعْفُونَ
العفو: الإسقاط والترك والتنازل عن الحق؛ ونون ﴿يَعْفُونَ﴾ هنا هي نون النسوة، والواو أصلية من الفعل (عفا يعفو)، ووزن الفعل: (يَفْعُلْنَ)، وليس مثل يعفون للرجال الذي وزنه (يَفْعُونَ). ومعناه: تتنازل المطلقة عن نصف المهر المستحق لها وتتركه للزوج.
عُقْدَةُ النِّكَاحِ
الرابطة العقدية المشروعة بين الزوجين.
وَأَنْ تَعْفُوا
الخطاب للرجال والنساء جميعاً على جهة التغليب؛ أي وعفوكم وتسامحكم وإيثاركم أقرب لتقوى الله.
الْفَضْلَ
الزيادة في الإحسان، وبذل ما لا يجب، وترك الاستقصاء في أخذ الحقوق والمظالم.
وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ
الواو عاطفة، ﴿إن﴾ شرطية جازمة، ﴿طلقتموهن﴾ فعل ماضٍ في محل جزم فعل الشرط، والتاء فاعل والواو لإشباع الضمة، والهاء مفعول به.
مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ
جار ومجرور متعلق بطلقتموهن، ﴿أن تمسوهن﴾ مصدر مؤول مجرور بالإضافة.
وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً
الواو حالية، ﴿قد﴾ حرف تحقيق، وجملة ﴿فرضتم﴾ في محل نصب حال من الفاعل في طلقتموهن.
فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ
الفاء رابطة لجواب الشرط، ﴿نصف﴾ مبتدأ خبره محذوف تقديره: فالواجب نصف، أو خبر لمبتدأ محذوف: فاللازم نصف، ﴿ما﴾ موصولة مضاف إليه وجملة ﴿فرضتم﴾ صلتها، والجملة جواب الشرط.
إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ
استثناء منقطع أو متصل؛ ﴿إلا﴾ أداة استثناء، ﴿أن يعفون﴾ مصدر مؤول في محل نصب على الاستثناء، ﴿يعفون﴾ مبني على السكون لاتصاله بنون النسوة في محل نصب بأن.
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
التحقيق الفقهي في "الذي بيده عقدة النكاح" وتصحيح المفاهيم:
وقع الخلاف بين أئمة التفسير والفقه في تعيين ﴿الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾:
القول الأول (مذهب علي بن أبي طالب، وابن عباس، وسعيد بن جبير، والشافعي في أصح قوليه، وأحمد، وأبي حنيفة): أنه الزوج؛ وعفوه أن يترك لها المهر كاملاً ويسقط حقه في استرجاع النصف؛ ورجحوا هذا القول لوجوه عقلية ونقلية قاطعة:
الحديث المرفوع: «ولي عقدة النكاح هو الزوج».
أن الزوج هو الذي يملك حل العقدة بالطلاق واستدامتها بالإمساك، أما الولي فقد انتهت ولايته بتمام العقد.
أن عفو الإنسان عن مال نفسه جائز ومحمود، أما عفو الولي عن مال موليته وتفريطه في حقها المالي فممنوع شرعاً؛ لأن الولي مأمور بحفظ مال موليته لا بهبته وإسقاطه.
القول الثاني (مذهب مالك والشافعي في القديم): أنه الولي كأب البكر؛ وعفوه إسقاط نصف المهر عن الزوج، ورجح المحققون القول الأول لسلامته من المحاذير الشرعية.
قاعدة "ولا تنسوا الفضل بينكم" كأصل حضاري وأخلاقي:
تبني الآية صرحاً أخلاقياً رفيعاً يحكم العلاقات الإنسانية عند الخلاف والانفصال؛ فالناس عند النزاع صنفان:
صنف يقتصر على العدل المحض ويستوفي حقه كاملاً غير منقوص (وهذا جائز ومبرئ للذمة).
وصنف يرتقي إلى مقام الإحسان والفضل، فيعفو ويتسامح ويهب ويتنازل عن حقه طلباً لمرضاة الله وزيادة في التقوى؛ وهذا الصنف هو الذي تستقر به المجتمعات وتزكو به النفوس: ﴿وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾.
صياغة جملة ﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ بـ (أفعل التفضيل)؛ للدلالة على أن العفو والتنازل عن المال أرجح في ميزان التقوى من الشح والاستقصاء في المطالبة، لما فيه من مجاهدة النفس وقهر بواعث الغضب والانتقام.
التعبير بالنهي البليغ ﴿وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾؛ حيث شبّه ترك الإحسان بالنسيان الذي يعتري الغافل؛ تذكيراً بما كان بين الزوجين من مودة وميثاق وعهود سابقة، فلا ينبغي أن تمحوها عواصف الفراق.
الإشارات الإيمانية ولطائف التدبر:
قال الإمام سفيان بن عيينة رحمه الله: «الفضل بين الناس أن يعفو هذا عن حقه، ويزيد هذا في إحسانه؛ فإذا تراضى الناس بميزان الفضل ارتفعت الخصومات ونزلت البركات، وإذا استقصى كل إنسان حقه هلكت النفوس واشتعلت العداوات».
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الثمرات السلوكية والتطبيق المعاصر:
التنازل النبيل والمروءة عند الطلاق؛ بأن يتنازل الزوج عن نصف المهر فيتركه كاملاً لمطلقته إكراماً لها، أو تتنازل المرأة عن نصفها رفقاً بالزوج وتخفيفاً عنه.
إحياء شعار ﴿وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ في كافة المعاملات المالية والتجارية والاجتماعية المعاصرة، وعدم تحويل كل نزاع إلى خصومة فاجرة واستعداء في المحاكم.
شهادات الأعلام ورؤى المصلحين:
كتب سيد قطب في الظلال (ج١، ص٢٤٣): «بهذه اللمسة الندية الحانية يُختم هذا المقطع التشريعي الجليل: ﴿وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾... إنها الكلمة التي ترطب القلوب الجافة، وتفتح مغاليق النفوس الشحيحة، وترتفع بالبشرية من مستنقع النزاع المادي إلى آفاق التسامح والتقوى والنظر إلى ما عند الله البصير».
الدلائل والإشارات:
استحقاق المطلقة قبل المسيس نصف المهر المسمى لها في العقد: ﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾.
مشروعية عفو المرأة وتنازلها عن نصف مهرها لزوجها بطيب نفس: ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾.