وقد حرر أئمة التفسير المسند (ابن جرير الطبري في «جامع البيان»، وابن كثير في «تفسير القرآن العظيم»، والبغوي في «معالم التنزيل»):
سبب النزول وتحقيقه الإسنادي:
بيان للمآل الحقيقي للفريقين المذكورين في الآية السابقة: فريق من استمسك بالعروة الوثقى فتولاه الله برحمته وتوفيقه، وفريق من اتبع الطاغوت فتخلى الله عنه وتولته الشياطين فأوردته موارد الهلاك.
روى ابن أبي حاتم في تفسيره (ج٢، ص٥٦٢) عن السدي قال: نزلت في قوم كانوا آمنوا بالنبي ﷺ فلما رأوا ما نزل باليهود من الجلاء ارتابوا وكفروا، فنبههم الله على شؤم موالاة الطاغوت.
الآثار والمرويات التفسيرية المسندة:
أخرج الإمام أحمد في المسند (رقم ٤١٤٢)، والنسائي في الكبرى، والحاكم وصححه، من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: خطَّ رسول الله ﷺ خطاً بيده ثم قال: «هذا سبيل الله مستقيماً»، وخط خطوطاً عن يمينه وشماله ثم قال: «وهذه سبل، على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه»، ثم قرأ: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾، وهذا مفسر لجمع الظلمات وتوحيد النور في الآية.
التخريج الحديثي وضبط الروايات:
أخرج البخاري في صحيحه (كتاب الرقاق، باب التواضع، حديث رقم ٦٥٠٢) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي ﷺ قال: «قال الله تعالى: من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب... وما يزال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها». وهذا أصح ما يفسر ولاية الله الخاصة للمؤمنين: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾.
*صحيحه* (كتاب الرقاق، باب التواضع، حديث رقم ٦٥٠٢)مصدر غير محددحديث رقم ٦٥٠٢*تفسيره* (ج٢، ص٥٦٢)مصدر غير محدد٢/٥٦٢*المسند* (رقم ٤١٤٢)مسند الإمام أحمدأحمد بن حنبلحديث رقم ٤١٤٢
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
وَلِيُّ
فَعِيل بمعنى فاعل ومفعول معاً؛ فهو سبحانه ناصرهم، وحافظهم، ومتولي أمورهم، وهاديهم، وهم يتولونه بالطاعة والمحبة.
الظُّلُمَاتِ
جمع ظلمة؛ واستعيرت هنا لظلمات الكفر والشك والجهل والشبهات والشهوات والمعاصي.
مبتدأ وخبر، والجملة الاسمية حال أو خبر ثانٍ، ﴿هم﴾ مبتدأ، ﴿فيها﴾ متعلق بخالدون، و﴿خَالِدُونَ﴾ خبر مرفوع بالواو.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
وجه المناسبة بين الآية وما قبلها:
كمال التنسيق والبيان لمصير المتمسكين بالعروة الوثقى والكافرين بالطاغوت؛ فبينت الآية أن المؤمن لا يُترك وحده في معترك الحياة، بل يصحبه اللطف والمدد والولاية الإلهية التي تنتشله من تيه الظلمات إلى فضاء النور، بينما الكافر يسلمه كفره إلى ولاية الشيطان التي تنحدر به إلى دركات الظلمات والخلود في النار.
التناسب الداخلي وبناء الفاصلة القرآنية:
الإعجاز البلاغي في إفراد ﴿النُّورِ﴾ وجمع ﴿الظُّلُمَاتِ﴾؛ لأن الحق والتوحيد صراط واحد مستقيم لا يتعدد: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ﴾، بينما سبل الضلال والباطل والكفر والبدع والأهواء متشعبة كثيرة متفرقة.
المقابلة التامة بين مآل النور الهادي ومآل النار الخالدة ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
كيف يُخرج الطاغوت الكافرين من النور إلى الظلمات وهم كفار أصلاً؟:
أثار بعض المفسرين إشكالاً في قوله ﴿يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ﴾؛ فكيف يخرجون من النور وهم لم يدخلوا فيه ابتداءً؟
والجواب التحقيقي عند المحققين:
أن المراد: نور الفطرة النقية التوحيدية التي فطر الله الناس عليها؛ فالشياطين تجتالهم عن فطرتهم وتغمسهم في ظلمات الشرك.
أن المراد: نور البينات والأدلة الساطعة التي وضعت بين أيديهم، فلما عاندوها صرفهم الطاغوت عن هذا النور وأوقعهم في ظلمات الجحود.
أو هو فيمن آمن ببعض الرسل ثم كفر بمحمد ﷺ؛ كاليهود الذين كانوا على نور التوراة فلما جاءهم خاتم المرسلين كفروا به بغياً فحرموا النور وسقطوا في الظلمات.
جمع ﴿أَوْلِيَاؤُهُمُ﴾ مع إفراد ﴿وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾؛ للدلالة على أن ولي المؤمنين واحد أحد وهو الله القوي العزيز، أما أولياء الكفار فمتعددون متناحرون من شياطين الإنس والجن والأهواء والشهوات يتقاسمون تمزيق نفوسهم.
الإشارات الإيمانية ولطائف التدبر:
قال الإمام الحسن البصري رحمه الله: «ما أعظمها من كرامة للمؤمن! الله ربه ووليه، يكلؤه بعنايته، وينقله من ظلمة الجهل إلى نور العلم، ومن ظلمة المعصية إلى نور الطاعة، ومن ظلمة القبر إلى نور الجنة؛ فهل بعد ولاية الله من فوز وفلاح؟!».
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الثمرات السلوكية والتطبيق المعاصر:
التمسك بولاية الله تعالى بالتقوى والمداومة على النوافل والفرائض لنيل الحفظ والمعية الإلهية.
الفرار من ظلمات التيارات الفكرية المنحرفة والإعلام المضلل والقدوات الفاسدة التي تخرج الناس من نور الوحي إلى ظلمات الإلحاد والانحلال.
شهادات الأعلام ورؤى المصلحين:
كتب سيد قطب في الظلال (ج١، ص٢٧٦): «إنهما طريقان لا ثالث لهما في هذا الوجود: طريق النور الواحد الهادي في كنف الله وولايته، وطريق الظلمات المتراكمة في قبضة الطاغوت... والمؤمن حين يستشعر ولاية الله له يفيض قلبه بالطمأنينة والثقة، ويعلم أن كل ظلمات الأرض عاجزة عن حجب نور الله عن روحه».
الدلائل والإشارات:
إثبات ولاية الله الخاصة لأهل الإيمان بالنصر والتوفيق والحفظ: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾.
هداية المؤمنين وإخراجهم من ظلمات الشبهات والشهوات إلى نور التوحيد: ﴿يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾.
كشف عداوة الطاغوت وإضلاله لأتباعه بردهم إلى ظلمات الكفر.
الإعجاز البلاغي في إفراد النور لوحدة الحق وجمع الظلمات لتعدد سبل الضلال.
استحقاق الكافرين الخلود الدائم في عذاب النار بموالاتهم للطواغيت: ﴿هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾.