كان الإيلاء في الجاهلية أحد أسلحة الظلم والاستبداد بالمرأة؛ فكان الرجل إذا كره زوجته أو أراد مضارتها حلف ألا يقربها السنة والسنتين والثلاث، فيذرها معلقة لا هي زوجة تتمتع بحقوقها ولا هي مطلقة تتزوج غيره. فلما جاء الإسلام حدد الله لهذه المدة حداً حاسماً لا يجوز تجاوزه، ورفع الظلم عن المرأة بهذه الآية: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾.
أخرج ابن جرير الطبري في جامع البيان، وابن أبي حاتم (ج٢، ص٤٣٨)مصدر غير محدد٢/٤٣٨ عن ابن عباس، وعطاء، ومجاهد، وقتادة قالوا: «كان إيلاء الجاهلية السنة والسنتين والأكثر، فيحلف الرجل ألا يقرب امرأته يريد مضارتها وتعليقها، فوقّت الله أربعة أشهر، فمن حلف على أكثر من أربعة أشهر فإما أن يفيء وإما أن يطلق».
الآثار والمرويات التفسيرية المسندة:
أخرج البخاري في صحيحه (كتاب النكاح، باب إيلاء النبي ﷺ واعتزاله نساءه، حديث رقم ٥٢٠١) ومسلم في صحيحه (حديث رقم ١٤٧٩) من حديث أنس وعائشة رضي الله عنهما: «أن رسول الله ﷺ آلى من نسائه شهراً، وكانت انفكت رجله، فأقام في مَشْرُبَةٍ له تسعاً وعشرين ليلة ثم نزل، فقيل له: يا رسول الله، إنك آليت شهراً؟ فقال: إن الشهر تسع وعشرون». وهذا يدل على مشروعية الإيلاء في المدة التي تقل عن أربعة أشهر للتأديب.
وروى مالك في الموطأ (كتاب الطلاق، باب ما جاء في الإيلاء، حديث رقم ١١٩٩) عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: «إذا مضت أربعة أشهر وقف المولي حتى يطلق أو يفيء، ولا يقع عليه طلاق حتى يوقفه الإمام».
التخريج الحديثي وضبط الروايات:
قصة عمر بن الخطاب رضي الله عنه في تحديد غاية صبر المرأة عن زوجها: أخرج عبد الرزاق في المصنف (رقم ١٢٥٩٤)، والبيهقي في السنن الكبرى (ج٩، ص٢٩) بإسناد صحيح، أن عمر رضي الله عنه خرج ليلاً يطوف بالمدينة فسمع امرأة تقول:
تطاول هذا الليل واسوَدّ جانبه ... وأرَّقني ألا حبيبَ ألاعبه
فلولا حذار الله لا شيء مثله ... لزعزع من هذا السرير جوانبه
فسأل عمر ابنته حفصة رضي الله عنها: كم تصبر المرأة عن زوجها؟ فقالت: أربعة أشهر، أو ستة أشهر، فوقّت عمر للجيوش ألا يغيب الجندي عن أهله أكثر من أربعة أشهر، استئناساً بمدة الإيلاء في كتاب الله.
*صحيحه* (كتاب النكاح، باب إيلاء النبي ﷺ واعتزاله نساءه، حديث رقم ٥٢٠١)مصدر غير محددحديث رقم ٥٢٠١*الموطأ* (كتاب الطلاق، باب ما جاء في الإيلاء، حديث رقم ١١٩٩)الموطأمالك بن أنسحديث رقم ١١٩٩*السنن الكبرى* (ج٩، ص٢٩)مصدر غير محدد٩/٢٩صحيح*صحيحه* (حديث رقم ١٤٧٩)مصدر غير محددحديث رقم ١٤٧٩*المصنف* (رقم ١٢٥٩٤)مصدر غير محددحديث رقم ١٢٥٩٤
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
يُؤْلُونَ
من الإيلاء، وهو الحلف والقسم؛ يُقال: آلى يولي إيلاءً وأَلِيّة إذا حلف، والمولِي هو الحالف بالله ألا يجامع زوجته.
مِنْ نِسَائِهِمْ
عدّي الفعل بـ (من) لتضمنه معنى الامتناع والاعتزال والصدود؛ أي يمتنعون بحلفهم من معاشرة نسائهم.
تَرَبُّصُ
التربص: الانتظار والتأني والتريث؛ وتربص أربعة أشهر: إمهال الحالف هذه المدة ليراجع نفسه.
فَاءُوا
الفيء في كلام العرب: الرجوع؛ يقال: فاء يفيء فيئة إذا رجع؛ ومنه ظل الفيء لأنه يرجع بعد الزوال؛ والمراد هنا: الرجوع إلى معاشرة الزوجة والوطء في الفرج مع التكفير عن اليمين.
لِلَّذِينَ
اللام حرف جر تفيد الاختصاص والاستحقاق، ﴿الذين﴾ اسم موصول في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلق بمحذوف خبر مقدم.
الفاء استئنافية، ﴿إنْ﴾ شرطية جازمة، ﴿فاءوا﴾ فعل ماضٍ مبني على الضم في محل جزم فعل الشرط، والواو فاعل.
فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ
الفاء رابطة لجواب الشرط، جملة مؤكدة من إن واسمها وخبريها في محل جزم جواب الشرط؛ والمعنى: غفور لما فرط من الحالف، رحيم بهما حيث شرع لهما المخرج.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
وجه المناسبة بين الآية وما قبلها:
بعد أن قرر الحق تبارك وتعالى أحكام الأيمان العامة، وبيّن أن المؤاخذة إنما تتعلق بما كسبت القلوب، انتقل إلى حكم يمين خاصة من أخطر الأيمان أثراً على الأسرة واستقرارها، وهي يمين الإيلاء التي يحلف فيها الزوج على الامتناع عن أهله؛ فوضع لها الأجل الفاصل والقيد العادل لحماية الزوجة من الظلم.
التناسب الداخلي وبناء الفاصلة القرآنية:
التقابل البديع بين مهلة التربص ﴿تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾ التي يمنحها الشرع للزوج لتهدأ فورة غضبه، وبين الترغيب الحاني في الرجوع والمصالحة بالفاصلة: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾؛ ترغيباً في رأب الصدع وتجاوز الخلاف وتجديد المودة الزوجية.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
حماية حقوق المرأة وكسر شوكة الاستبداد الأسري:
تجسد الآية قمة العدالة والإنصاف التي جاء بها الإسلام للمرأة؛ فالرجل في الجاهلية كان يعلق المرأة سنيناً إضراراً بها؛ فجعل الإسلام أقصى مدى لانتظارها أربعة أشهر، واعتبر حق المعاشرة حقاً أصيلاً للمرأة لا يجوز إسقاطه، فإذا انقضت الأشهر الأربعة وُضع الزوج أمام خيارين لا ثالث لهما: إما العودة إلى المعاشرة الزوجية والفيئة، وإما إنهاء العلاقة بالطلاق لتنطلق المرأة وتبني حياتها مع غيره: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾.
الخلاف الفقهي في حكم انقضاء الأشهر الأربعة:
اختلف أئمة الفقه فيما يترتب على مضي الأربعة أشهر إذا لم يفئ الزوج:
مذهب الشافعي ومالك وأحمد وجماهير الصحابة: أنه إذا مضت الأربعة أشهر لا يقع الطلاق تلقائياً، بل يوقَف الزوج من قِبل القاضي ويُخيَّر: إما أن يفيء (يجامع) ويكفّر عن يمينه، وإما أن يطلق؛ فإن أبى طلّق عليه الحاكم طلقة رجعية صيانة لحق المرأة؛ واستدلوا بحديث ابن عمر: «إذا مضت أربعة أشهر وُقف المولي حتى يفيء أو يطلق».
مذهب أبي حنيفة والثوري: أنه إذا مضت أربعة أشهر ولم يفئ طلقت منه زوجته طلقة بائنة بمجرد انقضاء المدة بحكم الآية؛ ورجح الجمهور القول الأول؛ لأن الآية التي تليها جعلت الطلاق عزمة مستقبلة: ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ﴾، والعزم يكون بعد انقضاء المدة.
إيثار لفظ ﴿فَاءُوا﴾؛ لأن مادة الفيء تدل على الرجوع إلى الظل والراحة والاستقرار بعد حرارة النزاع والشمس اللافحة؛ فكأن الرجوع إلى الزوجة عودة إلى ظلال السكينة والمودة.
إيجاز الحذف في جواب الشرط؛ حيث أقيمت الفاصلة ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ مقام الجواب المقدر، أي: فإن فاءوا فلا مؤاخذة عليهم ويسقط عنهم إثم اليمين بالفيئة والتكفير.
الإشارات الإيمانية ولطائف التدبر:
قال الإمام ابن العربي في أحكام القرآن: «قدّر الحكيم العليم هذه المدة بأربعة أشهر؛ لأنها غاية طاقة الصبر البشري في الغالب، وغاية ما تسكن عنده النفوس وتزول به سخيمة الغضب، فمن لم يرجع فيها كان مصراً على الإضرار والظلم، فعومل بنقيض قصده».
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الثمرات السلوكية والتطبيق المعاصر:
تحريم الهجر الجائر للمرأة والامتناع عن معاشرتها بقصد إيذائها وإذلالها.
الاحتكام إلى القضاء الأسري العادل عند إصرار الزوج على التعليق والإضرار؛ لمنع الظلم وحفظ كرامة المرأة وحقوقها.
شهادات الأعلام ورؤى المصلحين:
كتب الشيخ ابن عاشور في التحرير والتنوير: «الآية من مفاخر التشريع الإسلامي في الانتصار لحقوق المرأة المهضومة في الجاهلية والأمم الغابرة؛ فقد حطمت أصفاد التعليق، ووضعت حداً زمنياً فاصلاً للنزاع الأسري».
الدلائل والإشارات:
مشروعية الإيلاء وتحديده بأربعة أشهر كحد أقصى: ﴿تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾.
تحريم زيادة مدة الامتناع والإضرار بالزوجة عن أربعة أشهر.
وجوب الفيئة والرجوع إلى المعاشرة الزوجية إن رغب الزوج في إمساك زوجته.
مغفرة الله ورحمته للحالف إذا عاد واستغفر وكفّر عن يمينه: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.
ثبوت حق المرأة الشرعي في الوطء والمعاشرة كحق أساسي من حقوق النكاح.