وقد حرر أئمة التفسير المسند (ابن جرير الطبري في «جامع البيان»، وابن كثير في «تفسير القرآن العظيم»، والبغوي في «معالم التنزيل»):
أسباب النزول وسياق الآثار:
أخرج ابن أبي حاتم (الرقم: 2703)مصدر غير محددحديث رقم ٢٧٠٣ عن الحسن البصري في قوله تعالى: ﴿لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى﴾ قال: نهى الله أهل الإيمان أن يحبطوا حسناتهم وأجورهم بالمن والأذى كما أحبط المنافقون نفقاتهم بريائهم وكفرهم.
وجاء في «صحيح مسلم» (الرقم: 1905)صحيح مسلممسلمحديث رقم ١٩٠٥ من حديث أبي هريرة في الثلاثة الذين هم أول من تسعر بهم النار يوم القيامة: «ورجل وسع الله عليه وأعطاه من أصناف المال كله، فأتي به فعرفه نعمه فعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: ما تركت من سبيل تحب أن ينفق فيها إلا أنفقت فيها لك، قال: كذبت، ولكنك فعلت ليقال: هو جواد، فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار».
ضبط القراءات والروايات المتواترة:
قوله تعالى: ﴿رِئَاءَ النَّاسِ﴾: قرأ الجمهور ﴿رِئَاءَ﴾ بهمزتين الأولى مكسورة والثانية مفتوحة ممدودة مد متصل واجب بمقدار 4 أو 5 حركات (وعند ورش وحمزة 6 حركات).
قوله تعالى: ﴿صَلْدًا﴾: قرأ الجميع بفتح الصاد وسكون اللام وتنوين الدال نصباً على الحال.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
لَا تُبْطِلُوا: الإبطال هو إفساد الشيء وجعله باطلاً لا أثر له ولا ثمرة، والمراد هنا إحباط ثواب الصدقة ومحو أجرها من صحيفة الأعمال.
رِئَاءَ النَّاسِ: الرئاء مصدر راءى يرائي، وهو إظهار العمل الصالح ليرى الناس فضله فيحمدوه ويثنوا عليه، دون قصد وجه الله تعالى.
صَفْوَانٍ: حجر أملس صلب ناعم لا يعلق به شيء، والصفوان واحد وجمع كصخر وصخرة.
وَابِلٌ: المطر الشديد الغزير ذو القطر العظيم المرتطم بالأرض بقوة.
صَلْدًا: الصلد هو الأملس الأجرد اليابس النقي من كل تراب أو نبت، يقال: جبين أصلد وحجر أصلد.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
التشبيه التمثيلي المركب:
عقد القرآن تشبيهاً تمثيلياً خارقاً يجمع بين الحركة والتصوير والمآل:
المشبه: المرائي أو المنان، الذي يظهر عمله في الصورة كأنه خير ونماء، لكن باطنه قفر خال من الإخلاص والإيمان.
المشبه به: حجر صلد أملس سقط عليه شيء يسير من التراب فغطاه، فظنه الرائي أرضاً صالحة للزرع، فلما انهمر عليه المطر الغزير (الوابل) جرف ذلك التراب الرقيق فكشف عن حقيقة الحجر الأصم اليابس الذي لا ينبت كلأً ولا يحفظ ماءً.
المطابقة بين حقيقة العمل والمصير:
كما لم يستفد الصفوان من قطرات الوابل، فكذلك لا يقدر المنافق والمنان على الانتفاع بشيء من عمله يوم القيامة حين يحتاج إلى حسنة واحدة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة إحباط السيئة للحسنة:
زعم بعض الخوارج والمعتزلة أن المعصية (كالمن) تحبط الطاعة السابقة كلياً وتخرج فاعلها من الإيمان.
التحقيق العقلي والنقلي عند أهل السنة: بيّن ابن تيمية في «مجموع الفتاوى» (10/320)مجموع الفتاوىابن تيمية١٠/٣٢٠ وابن حجر في «الفتح» أن المن والأذى يبطل ثواب تلك الصدقة بعينها التي اقترن بها أو تبعها، ولا يلزم من ذلك إحباط سائر الأعمال الصالحة للمؤمن؛ فالإحباط التام الكلي خاص بالشرك والردة والموت على الكفر بنص قوله: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾.
استهلت الآية بـ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾؛ لاستثارة الإيمان الحي في قلوبهم؛ أي: بمقتضى إيمانكم لا تتشبهوا بأهل النفاق والكفران الذين لا خلاق لهم.
التعبير بـ ﴿لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا﴾:
جمع الضمير للدلالة على أن هذا شأن كل المرائين؛ يجهدون أنفسهم في جمع المال وإنفاقه في الدنيا، ثم يقدمون على الله مفلسين صفر الأيدي لا يقدرون على انتزاع حسنة واحدة مما كسبوا.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
إخلاص العمل وتطهير السرائر:
التحذير البالغ من الشرك الأصغر (الرياء)؛ فإنه يحول الجبال من الأعمال إلى هباء منثور، ويجب على المؤمن أن يراقب قلبه قبل البذل وأثناءه وبعده ليظل خالصاً لوجه الله.
استحضار فقر العمل إلى القبول:
العبرة ليست بضخامة الأرقام المالية المبذولة، بل بطهارة الباطن؛ فدرهم من مخلص خير من ملء الأرض ذهباً من مرائي أو منّان.