وقد حرر أئمة التفسير المسند (ابن جرير الطبري في «جامع البيان»، وابن كثير في «تفسير القرآن العظيم»، والبغوي في «معالم التنزيل»):
سبب النزول وتحقيقه الإسنادي:
الآية بيان لحكم الطلقة الثالثة الحاسمة (البينونة الكبرى) بعد المرتين المذكورتين في قوله: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾؛ فإذا استنفد الزوج فرصتي الرجعة وطلق الثالثة بانت منه بينونة كبرى فلا تحل له حتى تنكح زوجاً غيره نكاح رغبة شرعياً صحيحاً ويذوق عسيلتها وتذوق عسيلته.
الآثار والمرويات التفسيرية المسندة:
أخرج البخاري في صحيحه (كتاب الطلاق، باب من أجاز طلاق الثلاث، حديث رقم ٥٢٦٠) ومسلم في صحيحه (كتاب النكاح، حديث رقم ١٤٣٣) من حديث عائشة رضي الله عنها: أن امرأة رفاعة القُرَظي (تميمة بنت وهب) جاءت إلى رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله، إن رفاعة طلقني فبتّ طلاقي (أي الطلقة الثالثة)، وإني تزوجت بعده عبد الرحمن بن الزَّبِير القُرَظي، وإنما معه مثل هُدْبة الثوب (تكني عن العجز الجنسي وعدم القدرة على الجماع)! فتبسم رسول الله ﷺ وقال: «أتريدين أن ترجعي إلى رفاعة؟ لا، حتى تذوقي عُسَيْلَتَهُ ويذوق عُسَيْلَتَكِ».
التخريج الحديثي وضبط الروايات:
حديث لعن المحلِّل والمحلَّل له: أخرجه أحمد في المسند (رقم ٤٥٠)، وأبو داود (رقم ٢٠٧٦)مصدر غير محددحديث رقم ٢٠٧٦، والترمذي (رقم ١١١٩)مصدر غير محددحديث رقم ١١١٩ وصححه، وابن ماجه (رقم ١٩٣٦)مصدر غير محددحديث رقم ١٩٣٦ عن علي وابن مسعود وابن عباس رضي الله عنهم قالوا: «لعن رسول الله ﷺ المُحِلِّلَ والمُحَلَّلَ له»، وسماه النبي ﷺ في حديث آخر: «التيس المستعار» (أخرجه ابن ماجه رقم ١٩٣٦ وحسنه الألباني).
*صحيحه* (كتاب الطلاق، باب من أجاز طلاق الثلاث، حديث رقم ٥٢٦٠)مصدر غير محددحديث رقم ٥٢٦٠*صحيحه* (كتاب النكاح، حديث رقم ١٤٣٣)مصدر غير محددحديث رقم ١٤٣٣*المسند* (رقم ٤٥٠)مسند الإمام أحمدأحمد بن حنبلحديث رقم ٤٥٠
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
فَإِنْ طَلَّقَهَا
الفاء عاطفة؛ والمراد التطليقة الثالثة بعد الطلقتين الأوليين بإجماع أهل العلم.
فَلَا تَحِلُّ لَهُ
انتفاء الحل تماماً وحرمتها عليه حرمة مؤبدة ما لم يطرأ سبب شرعي جديد.
مِنْ بَعْدُ
أي من بعد التطليقة الثالثة.
حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ
النكاح هنا يتضمن العقد والوطء التام في القبل (ذوق العسيلة) بإجماع الصحابة والأئمة، خلافاً لسعيد بن المسيب في شذوذه بالاكتفاء بمجرد العقد.
عُسَيْلَتَهُ
العسيلة تصغير عسل، وأُنثت لأنها قطعة منه، واستعيرت للذة الجماع وحلاوته.
يَتَرَاجَعَا
التراجع: أن يعقد عليها الزوج الأول عقداً ومهر جديدين بعد طلاق الزوج الثاني وانقضاء عدتها منه برضاها.
فَإِنْ طَلَّقَهَا
الفاء عاطفة، ﴿إنْ﴾ شرطية جازمة، ﴿طلقها﴾ فعل ماضٍ في محل جزم فعل الشرط، والفاعل مستتر والهاء مفعول به.
فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ
الفاء رابطة، ﴿لا﴾ نافية، ﴿تحل﴾ مضارع مرفوع، ﴿له﴾ متعلق بتحل، ﴿من بعدُ﴾ ظرف مبني على الضم لانقطاعه عن الإضافة لفظاً لا معنى في محل جر بمن متعلق بتحل، والجملة جواب الشرط.
حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ
﴿حتى﴾ حرف غاية ونصب، ﴿تنكح﴾ مضارع منصوب بأن مضمرة، ﴿زوجاً﴾ مفعول به، ﴿غيره﴾ نعت منصوب والهاء مضاف إليه.
فَإِنْ طَلَّقَهَا
أي الزوج الثاني؛ شرط جديد وجوابه:
فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا
الفاء رابطة، جملة نفي الجنس جواب الشرط، ﴿أن يتراجعا﴾ مصدر مؤول في محل جر بحرف جر محذوف متعلق بجناح؛ أي في أن يتراجعا.
إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ
شرط وجوابه محذوف؛ ﴿ظنا﴾ فعل ماضٍ والألف فاعل، ﴿أن يقيما﴾ مصدر مؤول سد مسد مفعولي ظن.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
وجه المناسبة بين الآية وما قبلها:
جاءت الآية متممة لقانون الطلاق الثلاث؛ فبعد أن بين حكم الطلقتين الأوليين وما فيهما من حق الرجعة، بين حكم من تمرد واستنفد تلك الرخص وأوقع الطلقة الثالثة؛ فقطع الله سبيله عنها عقوبة له وردعاً عن التلاعب برابطة الزوجية، وجعل عودتها إليه مشروطة بشرط عسير شاق على النفس وهو زواجها من رجل آخر ومفارقته لها بالوفاة أو الطلاق الطبيعي.
التناسب الداخلي وبناء الفاصلة القرآنية:
تعليق الرجعة بالظن الغالب على إقامة حدود الله: ﴿إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾؛ إشارة إلى أن عودة الزوجين بعد الفراق الطويل لا بد أن تُبنى على الوعي والندم والاستعداد للالتزام بحقوق الله، لا على مجرد الشهوة العابرة.
ختام الآية بقوله: ﴿يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾؛ لأن أسرار هذه التشريعات وحكمها الردعية لا يدرك كنهها إلا أهل العلم والإنصاف.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
حكمة اشتراط الزوج الثاني والرد على شبهات المستشرقين:
يظن بعض الجاهلين أن اشتراط زواجها من غيره إهانة للمرأة أو للرجل؛ والحقيقة الناصعة أن هذا التشريع من أبلغ وسائل حماية الأسرة وصيانتها:
هو رادع حاسم للرجل عن التسرع في إيقاع الطلقة الثالثة؛ لأنه يعلم علم اليقين أنه إذا طلق الثالثة فقد خسر زوجته نهائياً وحرمت عليه حتى تتزوج غيره ويدخل بها، وهذا أشد شيء على غيرة الرجل العربي والمسلم، فيمتنع عن الطلاق ويزن كلماته بميزان الذهب.
صيانة للمرأة من أن تظل ألعوبة في يد زوج متهور يطلق ويرد متى شاء.
بطلان نكاح التحليل واعتباره زنى صريحاً:
أجمع الصحابة والتابعون وأئمة الهدى (مالك وأحمد والشافعي في أصح قوليه والحنفية) على أن "نكاح التحليل" (وهو الاتفاق مع رجل ليتزوج المطلقة ثلاثاً ثم يطلقها لتحل لزوجها الأول) نكاح باطل ومحرم وكبيرة من الكبائر؛ لقول النبي ﷺ: «لعن الله المحلل والمحلل له»؛ واشترط الشرع أن يكون نكاح الزوج الثاني نكاح رغبة ومودة واستقرار، فإن طلقها بعد ذلك باختياره أو مات عنها حلت للأول، وإلا فلا.
البعد البياني والبلاغي والإشاري والتدبري
الأسرار البلاغية والبيانية:
الكناية النبوية والقرآنية اللطيفة في التعبير عن الجماع بـ ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ وبحديث «حتى تذوقي عسيلته»؛ وهو أعلى درجات الأدب اللغوي والسمو التعبيري في القرآن والسنة.
إطلاق لفظ ﴿زَوْجًا﴾ على الناكح الثاني تنبيهاً على أن العقد المقصود هو العقد التام الذي يسمى صاحبه زوجاً حقيقياً في العرف والشرع.
الإشارات الإيمانية ولطائف التدبر:
قال الإمام ابن القيم في زاد المعاد (ج٥، ص١١٥): «لما كان الطلاق الثلاث فصلاً كلياً واعتداءً على ميثاق الزوجية الغليظ، عاقب الله الزوج بنقيض قصده، فحرم عليه الرجوع إليها حتى يدخل بها غيره دخولا حقيقياً يذوق فيه حلاوة الاستمتاع، ليعلم الجاهل قدر النعمة التي فرط فيها فلا يعود للتلاعب بحدود الله».
*زاد المعاد* (ج٥، ص١١٥)زاد المعاد في هدي خير العبادابن القيم٥/١١٥
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الثمرات السلوكية والتطبيق المعاصر:
الحذر البالغ من التلفظ بالطلقة الثالثة، واستشارة العلماء الثقات قبل اتخاذ القرارات المصيرية.
محاربة ظاهرة "المحلل" في المجتمعات الإسلامية، والتوعية بأنها زنى ملفع بستار خادع لا يزيد المطلق إلا لعنة وطرداً من رحمة الله.
شهادات الأعلام ورؤى المصلحين:
كتب الشيخ محمد الطاهر بن عاشور في التحرير والتنوير: «إن هذا التشريع المعجز قطع دابر الفوضى الزوجية التي كانت تعيشها الجاهلية والأمم السالفة؛ فوضع حداً فاصلاً لحرية التطليق، وسد باب الاستهتار، وجعل الرجعة بعد الثلاث من أبعد المحالات في مجرى العادة إلا أن يشاء الله أمراً كان مفعولاً».
الدلائل والإشارات:
تحريم المطلقة ثلاثاً على زوجها الأول حتى تنكح زوجاً غيره نكاح رغبة صحيحاً: ﴿فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾.
اشتراط الدخول الحقيقي والوطء في نكاح الزوج الثاني لحل المرأة للأول (ذوق العسيلة).
بطلان نكاح التحليل ولعن فاعله شرعاً.
جواز تراجع الزوجين بعقد ومهر جديدين إذا طلقها الزوج الثاني برغبته أو مات عنها وانقضت عدتها: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا﴾.
اشتراط غلبة الظن على إقامة حدود الله والوفاء بالحقوق الزوجية في النكاح الجديد: ﴿إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾.