أخرج الطبري في «تفسيره» (6/61)مصدر غير محدد٦/٦١ وابن أبي حاتم (الرقم: 2841)مصدر غير محددحديث رقم ٢٨٤١ عن ابن عباس قال: كانت بنو عمرو بن عمير يطالبون بني المغيرة برؤوس أموالهم بعد نزول تحريم الربا، فشكا بنو المغيرة العسرة والضيق وقالوا: أخرونا إلى حين جذاذ النخل، فأبوا أن يؤخروهم، فأنزل الله تبارك وتعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾.
وجاء في «صحيح مسلم» كتاب المساقاة (الرقم: 1563)مصدر غير محددحديث رقم ١٥٦٣ من حديث أبي قتادة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُنْجِيَهُ اللَّهُ مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، فَلْيُنَفِّسْ عَنْ مُعْسِرٍ، أَوْ يَضَعْ عَنْهُ».
وروى أحمد في «المسند» (الرقم: 18043)مسند الإمام أحمدأحمد بن حنبلحديث رقم ١٨٠٤٣ وابن ماجه (الرقم: 2418)مصدر غير محددحديث رقم ٢٤١٨صحيح بإسناد صحيح عن بريدة الأسلمي رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «مَنْ أَنْظَرَ مُعْسِرًا فَلَهُ بِكُلِّ يَوْمٍ مِثْلِهِ صَدَقَةٌ»، ثم سمعته يقول: «مَنْ أَنْظَرَ مُعْسِرًا فَلَهُ بِكُلِّ يَوْمٍ مِثْلَيْهِ صَدَقَةٌ»، فقلت: سمعتك تقول كذا ثم تقول كذا يا رسول الله؟ قال: «لَهُ بِكُلِّ يَوْمٍ مِثْلِهِ صَدَقَةٌ قَبْلَ أَنْ يَحِلَّ الدَّيْنُ، فَإِذَا حَلَّ الدَّيْنُ فَأَنْظَرَهُ فَلَهُ بِكُلِّ يَوْمٍ مِثْلَيْهِ صَدَقَةٌ».
ضبط القراءات والروايات المتواترة:
قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ﴾: «كان» هنا تامة و﴿ذُو عُسْرَةٍ﴾ فاعل مرفوع بالواو، وقرأ الجمهور ﴿عُسْرَةٍ﴾ بضم العين وسكون السين، وقرأ أبو جعفر بضم العين والسين: ﴿عُسُرَةٍ﴾.
قوله تعالى: ﴿فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾: قرأ الجمهور بالرفع ﴿فَنَظِرَةٌ﴾ على أنه مبتدأ محذوف الخبر أو خبر لمحذوف تقديره فالواجب عليكم نظرة، وقرأ نافع بضم السين في ﴿مَيْسُرَةٍ﴾، وقرأ الباقون بفتح السين: ﴿مَيْسَرَةٍ﴾، وهما لغتان كالمهلكة والمَهلُكة.
قوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَصَدَّقُوا﴾: قرأ عاصم في رواية حفص بتخفيف الصاد: ﴿تَصَدَّقُوا﴾، وقرأ البزي عن ابن كثير بتشديد التاء والصاد: ﴿تَّصَّدَّقُوا﴾، وقرأ الجمهور بإدغام التاء في الصاد مشددة: ﴿تَصَّدَّقُوا﴾.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
ذُو عُسْرَةٍ: العسرة ضيق الحال والفاقة والعجز عن الوفاء بالدين لعدم وجود مال زائد عن الحاجة الأصلية.
فَنَظِرَةٌ: النَّظِرَة هي التأخير والإمهال إلى وقت آخر، مأخوذة من النظر لأن الممهل ينتظر ويترقب.
مَيْسَرَةٍ: سعة وغنى وسهولة في المال تمكن المدين من قضاء ما عليه بلا حرج ولا إجحاف.
وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ: التصدق هنا هو إسقاط رأس المال كله أو بعضه وإبراؤه عنه لوجه الله تعالى.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
قمة التكامل التشريعي والأخلاقي في إدارة الديون:
وازن القرآن بين حماية الحقوق المادية والرحمة الإنسانية بالمدين المعسر:
المرحلة الأولى: استرداد رأس المال بالعدل ﴿فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ﴾.
المرحلة الثانية (الإلزامية القضائية): إذا كان المدين معسراً فالواجب الشرعي والقانوني الحتمي هو إمهاله وتأجيله بلا فوائد ولا عقوبات ﴿فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾.
المرحلة الثالثة (المندوبة الأخلاقية العليا): التنازل عن الدين كلياً أو جزئياً واحتسابه صدقة لوجه الله ﴿وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾.
إبطال شريعة الجاهلية المعكوسة:
كان أهل الجاهلية إذا حل أجل الدين قال الدائن للمدين: «إما أن تقضي وإما أن تُرْبي» (أي تزيد في المال ونزيد في الأجل)، فجاء القرآن وأبطل الزيادة وحرمها، وألزم الدائن بالإمهال المجاني دون أدنى مقابل.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة: هل يجوز حبس المدين المعسر في الشريعة الإسلامية؟:
التحقيق الفقهي والقضائي: أجمع علماء الأمة (مالك، والشافعي، وأحمد، وأبو حنيفة) على أنه إذا ثبت إعسار المدين ببينة أو يمين معتبرة، حرم حبسه شرعاً قطعا وجب تركه حتى يوسر؛ لقوله الصريح: ﴿فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾؛ فالحبس إنما شرع للمماطل القادر على السداد («لَيُّ الْوَاجِدِ يُحِلُّ عِرْضَهُ وَعُقُوبَتَهُ» رواه أبو داود والنسائي)، أما العاجز حقاً فحبسه ظلم شنيع يناقض نص القرآن.
المقابلة الصوتية واللفظية بين ﴿عُسْرَةٍ﴾ و﴿مَيْسَرَةٍ﴾:
جناس اشتقاقي بديع يبعث الأمل في النفوس؛ فبعد كل عسرة ميسرة، وحكم الله بالتأخير يمهد لتدفق اليسر والفرج.
التذييل بـ ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾:
تعليق الخيرية على العلم الحقيقي بعظمة ثواب الصدقة عند الله وما يدخره للمتجاوزين عن المعسرين من ظلال العرش والنجاة من أهوال القيامة.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
ثقافة التسامح والتفريج عن المكروبين:
أعظم مظاهر التكافل الاجتماعي في الإسلام إنظار المعسرين والوضع عنهم؛ فمن شرف العبد وسعادته أن يقف بين يدي ربه يوم القيامة فيجد الله قد تجاوز عنه كما كان يتجاوز عن عباد الله المعسرين في الدنيا.
دور الصناديق التكافلية وسداد الديون:
دعوة لمؤسسات الزكاة ورجال الأعمال لإنشاء أوقاف وصناديق خاصة لفكاك الغارمين والمعسرين وصيانة كرامتهم وأسرهم من التشتت والضياع.