أخرج ابن جرير الطبري في جامع البيان، وابن أبي حاتم في تفسيره (ج٢، ص٤٦٥) عن السدي ومجاهد والضحاك قالوا: كان الرجل في الجاهلية وأول الإسلام يطلق امرأته طلقة رجعية، فيتركها حتى إذا لم يبق من عدتها إلا يوم أو يومان راجعها، لا لرغبة فيها ولكن ليضارها ويطيل عليها العدة، ثم يطلقها فيفعل بها ذلك مراراً؛ فنهى الله تعالى عن ذلك في هذه الآية فقال: ﴿وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا﴾.
الآثار والمرويات التفسيرية المسندة:
أخرج أبو داود في سننه (كتاب الطلاق، باب في الطلاق على الهزل، حديث رقم ٢١٩٤)، والترمذي (رقم ١١٨٤)مصدر غير محددحديث رقم ١١٨٤ وحسنه، وابن ماجه (رقم ٢٠٣٩)مصدر غير محددحديث رقم ٢٠٣٩ من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «ثلاث جِدُّهُنَّ جِدٌّ، وهَزْلُهُنَّ جِدٌّ: النكاحُ، والطلاقُ، والرَّجْعَةُ»، وهو مفسر للنهي عن اتخاذ آيات الله هزواً.
وروى ابن أبي حاتم (ج٢، ص٤٦٧)مصدر غير محدد٢/٤٦٧ عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: كان الرجل في الجاهلية يطلق أو يعتق أو ينكح ثم يقول: كنت لاعباً هازلاً! فأنزل الله: ﴿وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا﴾.
التخريج الحديثي وضبط الروايات:
حديث رفع الحرج ووجوب مراقبة الله في حقوق النساء: أخرجه مسلم في صحيحه (حديث رقم ١٢١٨) في خطبة حجة الوداع عن جابر رضي الله عنه، وفيه: «فاتقوا الله في النساء، فإنكم أخذتموهن بأمان الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله».
*سننه* (كتاب الطلاق، باب في الطلاق على الهزل، حديث رقم ٢١٩٤)مصدر غير محددحديث رقم ٢١٩٤*صحيحه* (حديث رقم ١٢١٨)مصدر غير محددحديث رقم ١٢١٨*تفسيره* (ج٢، ص٤٦٥)مصدر غير محدد٢/٤٦٥
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ
البلوغ هنا: مشارفة الأجل وقربه؛ أي قاربن انقضاء العدة؛ لأنه لو انقضت العدة تماماً لبانت المرأة ولم يبق للزوج حق في الإمساك والمراجعة إلا بعقد ومهر جديدين.
ضِرَارًا
مصدر ضارَّ يضارّ مضارّة وضراراً؛ والضرار: قصد الإيذاء والإضرار بالغير بغير منفعة تعود على الفاعل، أو التعمد المتبادل للمضارة.
لِتَعْتَدُوا
اللام لام التعليل، والاعتداء: مجاوزة الحد وممارسة الظلم والجور.
هُزُوًا
الهُزُؤ والسخرية واللعب بالشيء الذي حقه الجد والتعظيم؛ يقال: هزئ به واستهزأ به إذا سخر وتلاعب.
وَالْحِكْمَةِ
السنة النبوية المطهرة وأسرار الشريعة ومقاصدها.
وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ
الواو استئنافية، ﴿إذا﴾ ظرف زمان خافض لشرطه منصوب بجوابه، وجملة ﴿طلقتم﴾ في محل جر بالإضافة.
فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ
الفاء عاطفة، ﴿بلغن﴾ فعل ماضٍ ونون النسوة فاعل، و﴿أجلهن﴾ مفعول به ومضاف إليه.
ختام محذر من خفايا النيات، قرأ الجمهور بتوكيد العلم المحيط.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
وجه المناسبة بين الآية وما قبلها:
بعد أن بين الحق سبحانه حدود الطلاق وأحكامه، عاد هنا لتأكيد الضمانات الأخلاقية لحماية المطلقة في آخر لحظات العدة؛ لمنع الأزواج من استغلال الثغرات الزمنية للإضرار بالمرأة، وذكّرهم بأن الشريعة إنما أنزلت رحمة وحكمة لا لتكون أداة للهزء والتحايل على حقوق المستضعفين.
التناسب الداخلي وبناء الفاصلة القرآنية:
الربط البديع بين ظلم المرأة وظلم النفس: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾؛ لبيان أن من يظلم زوجته ويعضلها إنما يجلب العقوبة الإلهية لنفسه ويهلك آخرته.
التعقيب بالفاصلة ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾؛ لأن دوافع المراجعة (أهي رغبة في الإصلاح أم نية للمضارة؟) أمور باطنة لا يعلمها إلا الله، فاستحضر علمه المحيط ليكون وازعاً للضمير.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
قاعدة "سد الذرائع" ومنع التعسف في استعمال الحق:
تمثل هذه الآية أصلاً تشريعياً ودستورياً عظيماً في نظرية "التعسف في استعمال الحق"؛ فالشارع منح الزوج حق الرجعة في أصله لمصلحة لمّ الشمل، فإذا استعمل هذا الحق المشروع بقصد غير مشروع وهو الإضرار بالمرأة وتطويل العدة عليها، انقلب تصرفه محرماً وباطلاً: ﴿وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا﴾، ويحق للقاضي الشرعي حينئذٍ منعه من الرجعة وفسخ النكاح.
حقيقة اتخاذ آيات الله هزواً:
يدخل في اتخاذ آيات الله هزواً كل من تلاعب بعقود النكاح والطلاق والأيمان؛ كمن يطلق لاعبياً، أو يعقد هازلاً، أو يتحايل على إسقاط الواجبات الشرعية بالحيل الفقهية الماكرة، أو يستهين بأوامر الله ونواهيه؛ فالشريعة جد كلها لا تحتمل العبث والتلاعب.
البعد البياني والبلاغي والإشاري والتدبري
الأسرار البلاغية والبيانية:
التعبير بـ ﴿فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾؛ لإبراز الحقيقة القرآنية أن الظالم للغير إنما يبدأ بظلم نفسه أولاً بإيرادها موارد الهلاك وعذاب النار؛ فالمرأة وإن نالها ضرر دنيوي مؤقت، فإن الظالم يناله خسران أبدي.
إيثار لفظ ﴿يَعِظُكُمْ بِهِ﴾؛ للإشعار بأن أحكام الكتاب والحكمة ليست مجرد قوانين جافة وقواعد إجرائية، بل هي مواعظ حية تخاطب القلوب وتربي الضمائر وتصلح النفوس.
الإشارات الإيمانية ولطائف التدبر:
قال الإمام القرطبي في تفسيره (ج٣، ص١٥٧): «من اتخذ آيات الله هزواً فقد بارز ربه بالعداوة، ومن أعظم ذلك أن يجعل أحكام الفراق والرجعة وسيلة لتعذيب النساء وتعليقهن، وهو يقرأ كتاب الله الذي يأمره بالإحسان والتقوى».
*تفسيره* (ج٣، ص١٥٧)مصدر غير محدد٣/١٥٧
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الثمرات السلوكية والتطبيق المعاصر:
تعظيم حدود الله وحرماته، وتجنب الحيل القانونية الملتوية التي يقصد بها سلب حقوق المطلقات أو التضييق عليهن.
شكر نعمة الوحي والشريعة التي أنقذت البشرية من ظلمات الجاهلية ورفعت الظلم عن المستضعفين.
شهادات الأعلام ورؤى المصلحين:
كتب الإمام فخر الدين الرازي في مفاتيح الغيب: «تأمل كيف كرر الله الأمر بالمعروف والنهي عن الضرار في آيات الطلاق مراراً وتكراراً؛ وما ذلك إلا لغلبة الهوى وسلطان الغضب عند الفراق، فاحتاج المكلف إلى زواجر متتابعة وتذكير بعلم الله المحيط ليرتدع عن الظلم».
الدلائل والإشارات:
وجوب المبادرة إلى المراجعة بالمعروف أو التخلية بالمعروف عند مشارفة العدة على الانتهاء: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾.