أخرج ابن جرير الطبري في جامع البيان، والواحدي في أسباب النزول (ص٧٢) بإسناد حسن عن السدي، عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: نزلت هذه الآية في عبد الله بن رواحة رضي الله عنه، وكانت له أمة سوداء فغضب عليها فلطمها، ثم فزع فأتى النبي ﷺ فأخبره، فقال له: «ما هي يا عبد الله؟» قال: يا رسول الله، تصوم وتصلي وتحسن الوضوء وتشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله، فقال: «يا أبا رواحة، هذه مؤمنة»، فقال عبد الله: فوالذي بعثك بالحق لأعتقنها ولأتزوجنها، ففعل؛ فطعن عليه ناس من المسلمين وقالوا: تزوج أمة سوداء وترك حرائر المشركين ذوات الحسب والجمال! فأنزل الله تعالى: ﴿وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ﴾.
وروى مجاهد ومقاتل أن الآية نزلت في مَرْثد بن أبي مَرْثد الغنوي رضي الله عنه حين استأذن النبي ﷺ أن يتزوج عَنَاق (امرأة مشركة ذات مال وجمال بمكة كان يواطئها في الجاهلية)، فنهاه النبي ﷺ وتلا عليه هذه الآية.
الآثار والمرويات التفسيرية المسندة:
أخرج البخاري في صحيحه (كتاب النكاح، باب الأكفاء في الدين، حديث رقم ٥٠٩٠) ومسلم في صحيحه (حديث رقم ١٤٦٦) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي ﷺ قال: «تُنكح المرأة لأربع: لمالها، ولحسبها، ولجمالها، ولدينها؛ فاظفر بذات الدين تَرِبَتْ يداك». وهذا أصح ميزان نبوي موافق لنص الآية.
وروى الترمذي (رقم ١٠٨٤)مصدر غير محددحديث رقم ١٠٨٤ وابن ماجه (رقم ١٩٦٧)مصدر غير محددحديث رقم ١٩٦٧ وحسنه الألباني، عن أبي حاتم المزني رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فأنكحوه، إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد عريض».
التخريج الحديثي وضبط الروايات:
مسألة نكاح الكتابيات واستثنائهن من عموم المشركات: روى البخاري في صحيحه (كتاب الطلاق، باب قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾، حديث رقم ٥٢٨٥) عن نافع أن ابن عمر رضي الله عنهما كان إذا سئل عن نكاح النصرانية واليهودية قال: إن الله حرم المشركات على المؤمنين، ولا أعلم من الإشراك شيئاً أكبر من أن تقول المرأة ربها عيسى وهو عبد من عباد الله! ولكن جماهير الصحابة والتابعين والأئمة الأربعة ذهبوا إلى تخصيص عموم هذه الآية بآية المائدة: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾.
*صحيحه* (كتاب النكاح، باب الأكفاء في الدين، حديث رقم ٥٠٩٠)مصدر غير محددحديث رقم ٥٠٩٠*صحيحه* (حديث رقم ١٤٦٦)مصدر غير محددحديث رقم ١٤٦٦*أسباب النزول* (ص٧٢)أسباب النزولالواحدي٧٢حسن
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
تَنْكِحُوا
النكاح في أصل كلام العرب حقيقة في الوطء، ومجاز في العقد، أو حقيقة فيهما بالاشتراك؛ والمراد هنا: عقد التزويج؛ يقال: نكح فلان فلانة إذا تزوجها.
تُنْكِحُوا
بضم التاء من أنكح الرباعي، وهو تزويج الولي للمرأة التي تحت ولايته؛ ففي الأول خاطب الرجال ألا يتزوجوا بالمشركات، وفي الثاني خاطب الأولياء ألا يزوجوا المسلمات بالمشركين.
الْمُشْرِكَاتِ
عابدات الأوثان والأصنام من لا كتاب لهن، ويدخل فيهن كل كافرة في أصل الوضع اللغوي.
أَمَةٌ
الرقيقة المملوكة، واللام في ﴿وَلَأَمَةٌ﴾ لام الابتداء تفيد التوكيد المحض.
أَعْجَبَتْكُمْ
الإعجاب: استحسان الشيء بالبصر أو العقل لجمال أو مال أو شرف دنيوي.
وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ
الواو استئنافية، ﴿لا﴾ ناهية جازمة، ﴿تنكحوا﴾ فعل مضارع مجزوم بحذف النون، والواو فاعل، ﴿المشركات﴾ مفعول به منصوب بالكسرة لأنه جمع مؤنث سالم.
حَتَّى يُؤْمِنَّ
﴿حتى﴾ حرف غاية ونصب، ﴿يؤمنّ﴾ فعل مضارع مبني على السكون لاتصاله بنون النسوة في محل نصب بأن مضمرة بعد حتى، ونون النسوة فاعل.
استئناف مقابل؛ اسم الجلالة مبتدأ، وجملة ﴿يدعو﴾ خبره، ﴿بإذنه﴾ متعلق بحال محذوفة أو بيدعو.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
وجه المناسبة بين الآية وما قبلها:
بعد أن فصّل الله أحكام الإنفاق والقتال وتطهير المجتمع من الخمر والميسر وحفظ أموال اليتامى، انتقل النظم الكريم إلى حماية النواة الصلبة للمجتمع وهي "الأسرة"؛ فشرع أحكام عقد النكاح وشروطه، وبيّن معيار الكفاءة الحقيقية القائمة على رابطة الدين والعقيدة لا على فوارق الطين والطبقات.
التناسب الداخلي وبناء الفاصلة القرآنية:
التعليل العقدي الإعجازي للتحريم: لم يقتصر النظم على مجرد النهي، بل كشف العلة الجوهرية المصيرية: ﴿أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ﴾؛ فالمعاشرة الزوجية مودة ومخالطة وثيقة تفضي في الغالب إلى التأثر الديني، واقتران المؤمن بمن يدعو إلى النار مخاطرة بالدين والمصير الأبدي.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
إسقاط الطبقية الجاهلية وإعلاء كرامة الإيمان:
نسفت الآية المفاهيم الجاهلية التي تقدم الحسب والنسب والحرية والمال على الدين؛ فأعلنت أن الأمة السوداء الرقيقة المملوكة التي تؤمن بالله ورسوله خير عند الله وفي ميزان العقل السليم من سيدة نساء المشركين ذات الحسب والجمال، وأن العبد المملوك المؤمن أشرف من صناديد قريش وساداتهم المشركين؛ لأن شرف الروح والإيمان باقٍ وشرف الجاه والمال زائل.
حرمة تزويج المسلمة من غير المسلم إجماعاً قطعياً:
الآية صريحة قطعية في تحريم تزويج المرأة المسلمة بأي كافر مطلقاً، سواء كان مشركاً وثنياً أو كتابياً يهودياً أو نصرانياً: ﴿وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا﴾؛ لأن القوامة للرجل، ولا يجوز أن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلاً، ولأن دين المسلمة وحريتها العقدية في خطر داهم تحت ولاية من لا يؤمن بنبيها ﷺ.
البعد البياني والبلاغي والإشاري والتدبري
الأسرار البلاغية والبيانية:
المقابلة التامة بين حال المشركين في دعواهم وحال الخطاب الإلهي: ﴿أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ﴾؛ وإسناد الدعوة إلى النار للمشركين مجاز حكيم؛ لأنهم يدعون إلى أسبابها من الكفر والشهوات المحرمة، فسُمي السبب باسم المسبب لتهويل أمره.
الالتفات في صيغة التوجيه للرجال في نكاح النساء ﴿وَلَا تَنْكِحُوا﴾، ثم مخاطبة الأولياء والمجتمع في تزويج الإناث ﴿وَلَا تُنْكِحُوا﴾ للدلالة على اشتراط الولي في نكاح المرأة صيانة لعرضها وحمايتها.
الإشارات الإيمانية ولطائف التدبر:
قال الإمام القرطبي في الجامع لأحكام القرآن: «دلت الآية على أن الكفاءة المعتبرة في النكاح إنما هي في الدين؛ فالأمة المؤمنة كفء للحر المؤمن، والعبد المؤمن كفء للحرة المسلمة، وما سوى الدين من الأنساب والأموال فزائل لا عبرة به عند تباين العقائد».
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الثمرات السلوكية والتطبيق المعاصر:
تقديم معيار التقوى والصلاح والخلق في اختيار الزوج والزوجة على معايير المظهر والمال والجاه العاجل.
صيانة الأسر المسلمة في ديار الاغتراب من مخاطر الزواج المختلط الذي يهدد عقيدة الأبناء وهوية الأجيال.
شهادات الأعلام ورؤى المصلحين:
كتب سيد قطب في الظلال (ج١، ص٢١٩): «إن الإسلام يبني الأسرة على أساس العقيدة الواحدة المشتركة؛ لأن الأسرة سكن ومودة وامتزاج أرواح... وأي امتزاج يمكن أن يقوم بين قلب يعمر بنور التوحيد ويتحرك نحو الجنة، وقلب يظلم بالشرك ويهوي إلى النار؟! إنهما خطان لا يلتقيان».
الدلائل والإشارات:
تحريم نكاح المشركات الوثنيات تحريماً باتاً حتى يؤمنّ.
تحريم تزويج المسلمة لأي مشرك أو كافر مطلقاً حتى يؤمن.