أخرج البخاري في «صحيحه» كتاب الرهن (الرقم: 2068)مصدر غير محددحديث رقم ٢٠٦٨ ومسلم (الرقم: 1603)مصدر غير محددحديث رقم ١٦٠٣ عن عائشة رضي الله عنها: «أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم اشْتَرَى مِنْ يَهُودِيٍّ طَعَامًا إِلَى أَجَلٍ، وَرَهَنَهُ دِرْعًا مِنْ حَدِيدٍ»، وفي رواية للبخاري (الرقم: 2509)مصدر غير محددحديث رقم ٢٥٠٩ عن أنس رضي الله عنه: «وَلَقَدْ رَهَنَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم دِرْعًا لَهُ بِالْمَدِينَةِ عِنْدَ يَهُودِيٍّ، وَأَخَذَ مِنْهُ شَعِيرًا لِأَهْلِهِ».
وروى ابن جرير الطبري (6/123)مصدر غير محدد٦/١٢٣ وابن أبي حاتم (الرقم: 2883)مصدر غير محددحديث رقم ٢٨٨٣ عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ قال: «كتمان الشهادة من أكبر الكبائر عند الله تبارك وتعالى، والشهود أمناء الله في أرضه».
ضبط القراءات والروايات المتواترة:
قوله تعالى: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾: قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وعاصم وحمزة والكسائي وخلف: ﴿فَرِهَانٌ﴾ بكسر الراء وفتح الهاء وألف بعدها جمع رَهْن كجَبَل وجِبال، وقرأ ابن عامر وعاصم في رواية وأبو جعفر ويعقوب: ﴿فَرُهُنٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ بضم الراء والهاء بلا ألف جمع رِهان أو رَهْن كَسَقْف وسُقُف وكِتاب وكُتُب.
قوله تعالى: ﴿فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ﴾: قرأ ورش وأبو جعفر وحمزة في الوقف بإبدال الهمزة الساكنة واواً مدية في الابتداء: ﴿أُوتُمِنَ﴾ بضم الهمزة الأولى وإبدال الثانية واواً، وإسقاط همزة الوصل وصلاً: ﴿الَّذِي اؤْتُمِنَ﴾.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ: الرهن في أصل اللغة هو الثبوت والدوام، ومنه قوله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾، وفي الاصطلاح الشرعي: جعل عين مالية وثيقة بحق مالي يُستوفى منها عند تعذر الوفاء، واشترط القبض ﴿مَقْبُوضَةٌ﴾ لتمام لزوم الرهن والوثوق به عند جمهور العلماء.
فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ: استعير اسم «الأمانة» للدين المتروك بلا رهن ولا كاتب؛ لأن الدائن لما أسقط التوثيق ائتمن المدين على دينه فصار الدين كالأمانة المودعة في عنقه، فيجب عليه أداؤها بدافع الوازع الديني.
آثِمٌ قَلْبُهُ: الآثم المرتكب للإثم الشديد المحرم، ونسب الإثم إلى «القلب»؛ لأن الكتمان فعل قلبي صامت لا يظهر على الجوارح، والقلب هو قائد الأعضاء ومحل الإرادة والنية.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
التدرج في وسائل التوثيق والأمان:
تدرج القرآن المجيد في حفظ الأموال:
الحالة المعتادة في الحضر: الكتابة والشهود (الآية 282).
الحالة الاستثنائية في السفر أو تعذر الكاتب: الرهان المقبوضة كبديل عيني يحفظ حق الدائن (الآية 283).
الحالة الإيمانية العليا: التراضي والائتمان دون رهن ولا كتابة، وحينئذ يرتكز التوثيق على تقوى الله ومراقبة الباطن.
التشديد الصارم في تحريم كتمان الشهادة:
عقّب الأمر بأداء الأمانة بالنهي القاطع عن كتمان الشهادة؛ لأن كتمان الشاهد لشهادته يضيع حقوق الضعفاء ويمكّن المبطل من أكل الحرام، فقرن الكتمان بأعظم الوعيد.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة: هل يختص الرهن بحالة السفر فقط؟:
التحقيق الفقهي عند المذاهب الأربعة: قال مجاهد والضحاك بظاهر الآية أن الرهن لا يشرع إلا في السفر، ولكن جماهير فقهاء الصحابة والتابعين والأئمة الأربعة (أبو حنيفة، ومالك، والشافعي، وأحمد) أجمعوا على جواز الرهن في الحضر والسفر على السواء؛ لثبوت فعل النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة برهنه درعه عند يهودي في الحضر، وإنما ذكر السفر في الآية لكونه الغالب الأعم في تعذر وجود الكاتب حينذاك، والتقييد بالغالب لا مفهوم له في الأصول.
شبهة كتمان الشهادة وعقوبتها النفسية:
لماذا أسند الإثم إلى القلب دون سائر الجوارح؟
المحاكمة التدبرية: لأن الشهادة تستقر في القلب علماً وذكراً، والكتمان ينشأ من دافع قلبي من الخوف أو الطمع أو الحسد، والقلب هو ملك الجوارح فإذا خبث وفسد وأثم سرى الإثم إلى سائر الجسد.
تسمية الدين أمانة في ﴿فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾:
إثارة للوجدان الأخلاقي للمدين؛ أي إن صاحب المال قد أحسن بك الظن وائتمنك على ماله دون وثيقة ولا رهن، فقابل إحسانه وائتمانه بتمام الوفاء ولا تكن خائناً لمن ائتمنك.
الختام بالاسمين ﴿رَبِّهِ﴾ و﴿عَلِيمٌ﴾:
ذكر صفة الربوبية ﴿وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ﴾ لتذكيره بنعمة ربه عليه وتربيته له، ثم الختم بـ ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ وعيد لمن يسعى في إخفاء الحقيقة أو تضييع الشهادة؛ فالله مطلع على خفايا القلوب.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
مشروعية الرهن واستخدامه في الضمانات المالية المعاصرة:
تأسيس للضمانات العينية كرهن العقارات والأسهم والصكوك لتوثيق التمويلات وتأمين الاقتصاد من التعثر.
حرمة التقاعس عن أداء الشهادة في المحاكم:
على من تحمل شهادة بحق مسلم أو مظلوم ألا يمتنع عن أدائها أمام القضاء متى ما دعي إليها؛ فإن كتمانها مشاركة للظالم في جريمته وإثم مبين للقلب.