لما اعترض بنو إسرائيل على تمليك طالوت وطلبوا علامة وبرهاناً حسياً على صدق تعيينه من عند الله، أخبرهم نبيهم بالآية والمعجزة الخارقة: أن يعود إليهم "التابوت" (تابوت العهد الذي سلبه منهم أعداؤهم العمالقة وفيه مقدساتهم وآثار أنبيائهم) تحمله الملائكة عياناً حتى تضعه بين أيديهم.
أخرج ابن جرير الطبري في جامع البيان، وابن أبي حاتم (ج٢، ص٥٣٥)مصدر غير محدد٢/٥٣٥ عن ابن عباس، وعكرمة، ومجاهد، والسدي: أن التابوت كان صندوقاً من خشب الشَّمْشَار مغشى بالذهب، فيه التوراة، ورضاض الألواح التي تكسرت، وعصا موسى، وعمامة هارون، وقفيز من المن الذي كان ينزل عليهم، فكانوا يستنصرون به في حروبهم فيغلبون، فلما عصوا سُلب منهم، فلما أراد الله تمليك طالوت نزلت به الملائكة تحمله بين السماء والأرض حتى وضعته بين أظهرهم عند بيت طالوت، فسلموا له بالملك.
الآثار والمرويات التفسيرية المسندة:
أخرج البخاري في صحيحه (كتاب فضائل القرآن، باب فضل سورة الكهف، حديث رقم ٥٠١١) ومسلم في صحيحه (حديث رقم ٧٩٥) من حديث البراء بن عازب رضي الله عنه قال: كان رجل يقرأ سورة الكهف وعنده فرس مربوط بشَطَنَيْن، فتغشته سحابة فجعلت تدور وتدنو، وجعل فرسه ينفر منها، فلما أصبح أتى النبي ﷺ فذكر ذلك له فقال: «تلك السَّكِينَةُ تنزلت للقرآن». وهذا أصح تفسير لمعنى "السكينة" وأنها طمأنينة ووقار ونور من عند الله تصحبه الملائكة.
التخريج الحديثي وضبط الروايات:
أخرج أحمد في المسند (رقم ٢٢٩٢) وابن حبان في صحيحه عن ابن عباس رضي الله عنهما في بيان آثار الأنبياء، وتبرك بني إسرائيل بما ترك آل موسى وآل هارون، مبيناً أن بقية الآثار كانت تذكرهم بعهود الله وتنزل السكينة في قلوبهم.
*صحيحه* (كتاب فضائل القرآن، باب فضل سورة الكهف، حديث رقم ٥٠١١)مصدر غير محددحديث رقم ٥٠١١*صحيحه* (حديث رقم ٧٩٥)مصدر غير محددحديث رقم ٧٩٥*المسند* (رقم ٢٢٩٢)مسند الإمام أحمدأحمد بن حنبلحديث رقم ٢٢٩٢
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
التَّابُوتُ
الصندوق؛ وتاؤه أصلية أو زائدة؛ ووزنه فاعول من التوب وهو الرجوع؛ وسُمي تابوتاً لأن ما يودع فيه يرجع إلى صاحبه، وكانت قريش تقول التابوت بالتاء، والأنصار تقول التابوه بالهاء، وتواتر رسمه في المصحف الإمام بالتاء.
سَكِينَةٌ
السكينة: الطمأنينة والوقار والأمن والسكينة القلبية التي تزيل الخوف والقلق؛ فَعِيلَة من السكون ضد الحركة والاضطراب.
وَبَقِيَّةٌ
فَعِيلَة من البقاء؛ والمراد ما بقي وتخلف من آثار موسى وهارون عليهما السلام (الألواح، والعصا، ونحو ذلك).
تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ
جملة حالية مبينة للمعجزة الباهرة الخارقة للعادة، حيث رفعت الملائكة الصندوق وسارت به في الهواء أمام أعينهم.
وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ
فعل وفاعل ومفعول به.
إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ
﴿إن﴾ واسمها منصوب ومضاف إليه.
أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ
﴿أن﴾ مصدرية ناصبة، ﴿يأتيكم﴾ مضارع منصوب بالفتحة والكاف مفعول به، ﴿التابوت﴾ فاعل مرفوع، والمصدر المؤول في محل رفع خبر ﴿إنَّ﴾.
فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ
﴿فيه﴾ خبر مقدم، ﴿سكينة﴾ مبتدأ مؤخر مرفوع، ﴿من ربكم﴾ نعت لسكينة، والجملة الاسمية في محل نصب حال من التابوت.
وَبَقِيَّةٌ
معطوف على سكينة مرفوع بالضمة.
مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ
جار ومجرور نعت لبقية، وجملة ﴿ترك آل موسى﴾ صلة الموصول.
تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ
جملة فعلية في محل نصب حال ثانية من التابوت؛ ﴿تحمله﴾ فعل ومفعول به، و﴿الملائكة﴾ فاعل مرفوع بالضمة الظاهرة.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
وجه المناسبة بين الآية وما قبلها:
لما اعترض بنو إسرائيل على تمليك طالوت وطالبوا بالحجة والدليل، أنزل الله هذه المعجزة الحسية القاطعة التي تناسب عنادهم؛ وهي إعادة التابوت المقدس الذي يمثل رمز عزتهم ووحدتهم بعد أن سُلب منهم، تحمله الملائكة إكراماً لطالوت وتثبيتاً لإمامته.
التناسب الداخلي وبناء الفاصلة القرآنية:
اشتمال التابوت على ركيزتين: ركيزة معنوية وهي ﴿سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ تبعث الطمأنينة في القلوب، وركيزة حسية وهي ﴿وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ﴾ تذكرهم بتاريخ النصر والوحي.
ختام الآية بالشرط الإيماني: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾؛ لأن الآيات الباهرات إنما ينتفع بها أصحاب القلوب الحية، أما المعاند المفتون فلا تزيده الآيات إلا عتواً ونفوراً.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
حقيقة التبرك بآثار الأنبياء المشروعة:
تثبت الآية الكريمة مشروعية التبرك بآثار الأنبياء الصادقة الثابتة؛ فقد جعل الله في بقية ما ترك آل موسى وآل هارون بركة وسكينة ونصرة لبني إسرائيل ما داموا متمسكين بتوحيد الله وطاعته؛ كما كان الصحابة رضي الله عنهم يتبركون بآثار النبي محمد ﷺ (شعره، ووضوئه، وجبته) التماساً لبركة نبوته، بخلاف الآثار الموهومة أو التبرك الشركي الذي يبتدعه الجهال عند القبور والأحجار.
نزول الملائكة وخوارق العادات عند الأزمات الكبرى:
الآية تؤكد أن عالم الغيب متصل بعالم الشهادة، وأن الملائكة جند من جند الله يسخرهم لنصرة أوليائه وإظهار صدق أنبيائه وخوارق معجزاته: ﴿تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ﴾، لتكون آية قاطعة تسقط كل شك وشبهة.
البعد البياني والبلاغي والإشاري والتدبري
الأسرار البلاغية والبيانية:
التعبير بالمضارع ﴿تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ﴾ لاستحضار الصورة الحية العجيبة؛ وكأن السامع يرى الملائكة تخترق عنان السماء هابطة بالصندوق أمام الجموع المحتشدة.
تنكير ﴿سَكِينَةٌ﴾ للتعظيم والتفخيم؛ أي سكينة عظيمة لا يُقادر قدرها تملأ الصدور ثقة ويقيناً.
الإشارات الإيمانية ولطائف التدبر:
قال الإمام ابن القيم في مدارج السالكين (ج٢، ص٣٨٠): «السكينة نور وطمأنينة يسكن بها القلب، وتزول بها المخاوف والشكوك، فإذا حلت في قلب المؤمن ثبت عند الزلازل، وهانت عليه الشدائد، وانقاد لحكم الله عن انشراح ورضا».
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الثمرات السلوكية والتطبيق المعاصر:
الإذعان للحق عند قيام الحجة وظهور البينات، وترك المكابرة والاعتراض على أقدار الله وشرعه.
استجلاب السكينة الإلهية بتلاوة القرآن الكريم وملازمة الذكر والاعتصام بسنن المرسلين.
شهادات الأعلام ورؤى المصلحين:
كتب سيد قطب في الظلال (ج١، ص٢٥٨): «إنه المشهد الخارق الذي يقطع الشك باليقين، ويحمل بني إسرائيل على التسليم لقيادة طالوت... فالآية المعجزة لم تكن مجرد صندوق، بل كانت سكينة تفيض على النفوس القلقة الحائرة، وبقية تربط الحاضر المهزوم بالماضي المظفر المجيد».
الدلائل والإشارات:
إقامة الآيات والمعجزات الحسية الخارقة لتثبيت القيادة الصالحة وإلزام المعاندين: ﴿إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ﴾.
نزول السكينة والطمأنينة من الله على قلوب المؤمنين في الشدائد: ﴿فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾.