أخرج مسلم في «صحيحه» كتاب الإيمان (الرقم: 125)مصدر غير محددحديث رقم ١٢٥ وأحمد في «المسند» (الرقم: 8851)مسند الإمام أحمدأحمد بن حنبلحديث رقم ٨٨٥١ عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: «لَمَّا نَزَلَتْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾، اشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَى أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَأَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ثُمَّ بَرَكُوا عَلَى الرُّكَبِ، فَقَالُوا: أَيْ رَسُولَ اللَّهِ، كُلِّفْنَا مِنَ الْأَعْمَالِ مَا نُطِيقُ: الصَّلَاةَ، وَالصِّيَامَ، وَالْجِهَادَ، وَالصَّدَقَةَ، وَقَدْ أُنْزِلَتْ عَلَيْكَ هَذِهِ الآيَةُ وَلَا نُطِيقُهَا! قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: أَتُرِيدُونَ أَنْ تَقُولُوا كَمَا قَالَ أَهْلُ الْكِتَابَيْنِ مِنْ قَبْلِكُمْ: سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا؟! بَلْ قُولُوا: سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ، قَالُوا: سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ؛ فَلَمَّا اقْتَرَأَهَا الْقَوْمُ ذَلَّتْ بِهَا أَلْسِنَتُهُمْ، أَنْزَلَ اللَّهُ فِي إِثْرِهَا: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾؛ فَلَمَّا فَعَلُوا ذَلِكَ نَسَخَهَا اللَّهُ تَعَالَى فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ قَالَ: نَعَمْ...».
وأخرجه مسلم أيضاً (الرقم: 126)مصدر غير محددحديث رقم ١٢٦ من حديث عبد الله بن عباس رضي الله عنهما بنحوه وفيه: «قَالَ: قَدْ فَعَلْتُ».
ضبط القراءات والروايات المتواترة:
قوله تعالى: ﴿فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾: قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وعاصم في رواية حفص برفع الفعلين بالاستئناف: ﴿فَيَغْفِرُ﴾ و﴿وَيُعَذِّبُ﴾، وقرأ ابن عامر وعاصم في رواية أبي بكر وحمزة والكسائي وخلف ويعقوب بالجزم عطفاً على جواب الشرط ﴿يُحَاسِبْكُمْ﴾: ﴿فَيَغْفِرْ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبْ مَنْ يَشَاءُ﴾ مع إدغام الراء في اللام والباء في الميم عند أبي عمرو وحمزة والكسائي وخلاد.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ: تقديم الجار والمجرور يفيد الحصر والقصر؛ أي له وحده ملكاً وخلقاً وتصرفاً وتدبيراً، فالنفوس وما تكنه والأموال وما ثبت فيها كلها داخلة تحت ملكوته وربوبيته.
مَا فِي أَنْفُسِكُمْ: ما تستكنه الضمائر من الخواطر والنيات والعزائم والوساوس المستقرة.
يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ: الحساب هو توقيف العبد على عمله ونواياه وتقريره بها قبل الثواب والعقاب، والمساءلة الإلهية دقيقة محيطة بأدق خلجات الفؤاد.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
التمهيد الخاشع لخواتيم السورة العظيمة:
بعد أن فصلت السورة أصول الشريعة وأحكام الأموال، والديون، والربا، والشهادات، ربطت ذلك كله بمالكية الله المطلقة للكون، ورقابته على باطن الإنسان وظاهره؛ ليعلم العبد أن من استقر في قلبه يقين الحساب على خطرات النفس، كان أشد حذراً من مخالفة أمر ربه في ظواهر الجوارح.
تعليق المغفرة والعذاب بالمشيئة الحكيمة:
قوله: ﴿فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾ تقرير لقاعدة أهل السنة في أن العباد تحت مشيئة الله؛ يغفر للمؤمنين برحمته وفضله، ويعذب من يشاء بعدله، لا راد لقضائه وهو العزيز الحكيم.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
شبهة المؤاخذة بحديث النفس والنسخ بالآية اللاحقة:
أشكل على الصحابة في أول الأمر: كيف يحاسبنا الله على حديث النفس الذي لا نملك دفعه؟ وهل الآية منسوخة أم محكمة مخصصة؟
التحقيق العقائدي والأصولي المحرر:
مذهب جمهور السلف (ابن عباس وأبو هريرة ومجاهد): أن الآية نُسخ ثقلها وظاهر عمومها بقوله تعالى في الآية اللاحقة: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ وبقوله صلى الله عليه وسلم في الصحيحين: «إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ لِأُمَّتِي عَمَّا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا مَا لَمْ تَعْمَلْ أَوْ تَكَلَّمْ» (البخاري: 5269، مسلم: 127).
مذهب التحقيق الأصولي (ابن تيمية وابن القيم وابن كثير): أن المحاسبة في الآية باقية غير منسوخة، ولكن الحساب أعم من التعذيب؛ فالله يحاسب العبد فيقرره بذنوبه وخطراته في خلوته فيغفرها له ويستره في القيامة كما في حديث النجوى (البخاري: 2441)، وإنما المؤاخذة والعقاب يقعان على العزم المصمم والنية الجازمة التي هي من كسب القلب، أما الخواطر العابرة والهواجس التي لا يملكها العبد فمعفو عنها برحمة الله وسعة وسعه.