أخرج ابن جرير الطبري في جامع البيان، وابن أبي حاتم في تفسيره (ج٢، ص٤٣١) عن ابن عباس رضي الله عنهما، وعكرمة، ومجاهد، وقتادة قالوا: نزلت هذه الآية في الرجل يحلف على ألا يصل رحمه، أو لا يتصدق على فلان، أو لا يصلح بين اثنين، ثم يحتج بيمينه ويقول: قد حلفت بالله ولا أستطيع أن أخفر يميني! فنهاهم الله عن ذلك وأمرهم بفعل البر والتكفير عن اليمين.
وروى السدي أن الآية نزلت في أبي بكر الصديق رضي الله عنه حين حلف ألا ينفق على مِسْطَح بن أثاثة بعد حادثة الإفك، أو في صهر عبد الله بن رواحة بشير بن الحارث حين حلف ألا يكلمه ولا يصلح بينه وبين أخته.
الآثار والمرويات التفسيرية المسندة:
أخرج البخاري في صحيحه (كتاب الأيمان والنذور، باب من حلف يميناً فرأى غيرها خيراً منها، حديث رقم ٦٦٢٢) ومسلم في صحيحه (حديث رقم ١٦٤٩) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله ﷺ قال: «من حلف على يمين، فرأى غيرها خيراً منها، فليأت الذي هو خير، وليكفّر عن يمينه».
وروى مسلم في صحيحه (حديث رقم ١٦٥٥) عن عبد الرحمن بن سمرة رضي الله عنه قال: قال لي رسول الله ﷺ: «إذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيراً منها، فأتِ الذي هو خير وكفّر عن يمينك».
التخريج الحديثي وضبط الروايات:
حديث التشديد في الامتناع عن البر باليمين: أخرجه البخاري في صحيحه (حديث رقم ٦٦٢٥) عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي ﷺ قال: «لأن يَلَجَّ أحدكم بيمينه في أهله آثم له عند الله من أن يدفع كفارته التي افترض الله عليه».
*صحيحه* (حديث رقم ١٦٤٩)مصدر غير محددحديث رقم ١٦٤٩*صحيحه* (حديث رقم ١٦٥٥)مصدر غير محددحديث رقم ١٦٥٥*صحيحه* (حديث رقم ٦٦٢٥)مصدر غير محددحديث رقم ٦٦٢٥*تفسيره* (ج٢، ص٤٣١)مصدر غير محدد٢/٤٣١
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
المفردات والاشتقاق والدلالة الصرفية:
﴿عُرْضَةً﴾: فُعْلَة من العَرْض؛ ولها في لسان العرب استعمالان جليلان:
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
وجه المناسبة بين الآية وما قبلها:
بعد أن فصّل الله أحكام المعاشرة الزوجية والبيوت، وما قد يعتري الحياة الأسرية من نزاعات وخلافات قد تدفع المرء في فورة الغضب إلى الحلف بالله على قطيعة زوجته أو أهله أو ترك الإحسان، نهى سبحانه عن اتخاذ اسم الله العظيم ذريعة لتعطيل البر والإصلاح، مبيناً أن تعظيم الله يقتضي طاعته بفعل الخير والتكفير عن اليمين.
التناسب الداخلي وبناء الفاصلة القرآنية:
الجمع بين أركان الفضيلة الثلاثة: ﴿أَنْ تَبَرُّوا﴾ (الإحسان في المعاملة)، ﴿وَتَتَّقُوا﴾ (اجتناب المحارم)، ﴿وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ﴾ (إشاعة السلم الأهلي والمجتمعي).
ختم الآية بقوله: ﴿وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ تحذيراً للحالفين من التحايل على أحكام الله أو اتخاذ أسمائه وسيلة لتبرير القسوة والقطيعة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
تفكيك التعارض الوهمي بين الوفاء باليمين وفعل الخير:
يظن بعض الجهال أن البر باليمين مقدم على كل شيء حتى لو تضمن قطيعة رحم أو ترك واجب شرعي؛ وتبين الآية فساد هذا الفهم؛ فحق الله تعالى في أمره بالبر والتقوى والإصلاح أعظم من حق اليمين التي حلفها الإنسان برأيه؛ ولهذا شرع الله الكفارة لتكون مخرجاً شرعياً يحل به عقدة اليمين ويندفع به الإثم، عملاً بالقاعدة النبوية: «فليأتِ الذي هو خير وليكفّر عن يمينه».
صيانة اسم الله تعالى عن الابتذال:
المعنى الثاني للآية ينهى عن الإكثار من الحلف بالله في كل دقيق وجليل في المعاملات والبيع والشراء والمخاصمات؛ لأن كثرة الحلف تدل على قلة الهيبة لله في القلب، واستخفاف باسمه العظيم؛ فالله تعالى ينبغي أن يُعظم ويُجلّ فلا يُجعل عُرضة وابتذالاً للألسنة.
البعد البياني والبلاغي والإشاري والتدبري
الأسرار البلاغية والبيانية:
الاستعارة التمثيلية في قوله ﴿عُرْضَةً﴾؛ حيث شبّه اليمين بالحاجز المعترض في الطريق الذي يمنع السائر من الوصول إلى مقصده، فنهى أن يُجعل اسم الله حائلاً دون مقاصد الخير.
التعبير بالمضارع ﴿تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا﴾ لإفادة التجدد والاستمرار في طلب خصال البر والإصلاح.
الإشارات الإيمانية ولطائف التدبر:
قال الإمام فخر الدين الرازي في مفاتيح الغيب: «المقصود من اليمين توكيد الأمر وتعظيمه باسم الله، فإذا جعل الإنسان الحلف بالله وسيلة إلى ارتكاب المعصية وترك الطاعة، فقد قلب الحكمة التشريعية وجعل اسم الله ذريعة لضد ما أُمر به، وذلك نهاية الجهل».
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الثمرات السلوكية والتطبيق المعاصر:
المبادرة إلى الحنث والتكفير عن اليمين إذا كانت اليمين تقتضي قطيعة رحم أو ترك معروف أو ظلم إنسان.
تطهير الألسن من كثرة الحلف بالله في الأمور التافهة والتجارات والمماكسات، وحفظ اسم الله عن الابتذال.
شهادات الأعلام ورؤى المصلحين:
كتب الحافظ ابن كثير في تفسيره (ج١، ص٥٩١): «لا تجعلوا أيمانكم بالله مانعة لكم من البر وصلة الرحم إذا حلفتم على تركها، بل ائتوا الخير وكفّروا عن أيمانكم، كما أمر رسول الله ﷺ، فإن الاستمرار في الإثم بالحلف أعظم جرماً من الحنث فيه والتكفير عنه».
الدلائل والإشارات:
النهي عن اتخاذ الحلف بالله ذريعة للامتناع عن أعمال البر والصلة والإصلاح.
النهي عن كثرة الحلف بالله وابتذال اسمه الشريف في الأيمان الدارجة.
مشروعية الحنث في اليمين والتكفير عنها إذا كان الحنث خيراً وأبرّ عند الله.
عظم منزلة الإصلاح بين الناس والتقوى في ميزان الشريعة: ﴿وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ﴾.
إثبات صفتي السمع والعلم لله تعالى وجزائه على الأقوال والأعمال: ﴿وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾.