أخرج ابن جرير الطبري في جامع البيان، وابن أبي حاتم في تفسيره (ج٢، ص٤١٤) عن جندب بن عبد الله، والزهري، وعروة: أن عبد الله بن جحش وأصحابه أصحاب سرية نخلة حين نزلت الآية السابقة تبرئة لهم من كيد المشركين، قالوا: يا رسول الله، إنا نرجو أن تكون هذه مغفرة لنا، فهل لنا فيها أجر وجهاد وطمع في رحمة الله؟ فأنزل الله تبارك وتعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.
الآثار والمرويات التفسيرية المسندة:
أخرج البخاري في صحيحه (كتاب الرقاق، باب القصد والمداومة على العمل، حديث رقم ٦٤٦٣) ومسلم في صحيحه (حديث رقم ٢٨١٦) من حديث أبي هريرة وعائشة رضي الله عنهما، أن رسول الله ﷺ قال: «سددوا وقاربوا، واعلموا أنه لن ينجو أحد منكم بعمله»، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: «ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل».
وروى الحاكم في المستدرك (ج٢، ص١٠٥) وصححه ووافقه الذهبي عن معاذ بن جبل رضي الله عنه، عن النبي ﷺ قال: «من رابط يوماً في سبيل الله كان له كصيام شهر وقيامه، ومن مات مرابطاً جرى عليه عمله ورزقه من الجنة».
التخريج الحديثي وضبط الروايات:
أخرج أحمد في المسند (رقم ٢٣٩٨٤) عن عائشة رضي الله عنها في صفة المؤمنين الذين جمعوا بين الإحسان والخوف والرجاء، مبيناً أن الرجاء الصادق هو المقرون بالعمل لا التمني الكاذب مع الإفراط في المعاصي.
*صحيحه* (كتاب الرقاق، باب القصد والمداومة على العمل، حديث رقم ٦٤٦٣)مصدر غير محددحديث رقم ٦٤٦٣*صحيحه* (حديث رقم ٢٨١٦)مصدر غير محددحديث رقم ٢٨١٦*المستدرك* (ج٢، ص١٠٥)المستدرك على الصحيحينالحاكم النيسابوري٢/١٠٥*المسند* (رقم ٢٣٩٨٤)مسند الإمام أحمدأحمد بن حنبلحديث رقم ٢٣٩٨٤*تفسيره* (ج٢، ص٤١٤)مصدر غير محدد٢/٤١٤
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
هَاجَرُوا
الهجرة في اللغة: مفارقة الوطن والأهل وترك ما يؤذي؛ وفي الشرع: مفارقة دار الكفر والشرك إلى دار الإسلام فراراً بالدين.
جَاهَدُوا
الجهاد: بذل أقصى الطاقة والوسع والجهد في مدافعة العدو باليد واللسان والمال والنفس لإعلاء كلمة الله.
فِي سَبِيلِ اللَّهِ
السبيل هو الطريق الواضح؛ والمراد هنا: في طاعة الله وابتغاء مرضاته وإعزاز دينه الخاتم.
يَرْجُونَ
الرَّجاء: تطلع النفس وتوقعها حصول الخير مع الأخذ بأسبابه الممكنة؛ والفرق بين الرجاء والتمني: أن الرجاء يقترن ببذل السبب، والتمني يكون مع الكسل والتفريط.
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا
﴿إنَّ﴾ حرف توكيد ونصب، ﴿الذين﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب اسمها، وجملة ﴿آمَنُوا﴾ صلة الموصول.
معطوفات على الذين الأولى، وجملتا ﴿هاجروا﴾ و﴿جاهدوا﴾ صلة الموصول، ﴿في سبيل الله﴾ جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بجاهدوا.
أُولَئِكَ
اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والكاف للخطاب.
يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ
﴿يرجون﴾ فعل مضارع مرفوع بثبوت النون، والواو فاعل، ﴿رحمة﴾ مفعول به منصوب، واسم الجلالة مضاف إليه، وجملة ﴿يرجون﴾ خبر أولئك، وجملة أولئك وخبرها في محل رفع خبر ﴿إنَّ﴾.
وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ
الواو استئنافية، اسم الجلالة مبتدأ، و﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ خبران مرفوعان.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
وجه المناسبة بين الآية وما قبلها:
بعد أن توعد الله المرتدين والمشركين بحبوط الأعمال والخلود في النار في قوله: ﴿فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ﴾، أتبع ذلك مباشرة بذكر المقابل من أهل الفلاح والنجاة: الذين ثبتوا على الإيمان وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله، ترغيباً بعد ترهيب، ووعداً بعد وعيد، على سنن القرآن البديع.
التناسب الداخلي وبناء الفاصلة القرآنية:
أدب النظم القرآني الرفيع: على الرغم من أن هؤلاء جمعوا بين الإيمان الصادق والهجرة في سبيل الله والجهاد بالنفس والنفيس، لم يقل القرآن "أولئك مستحقون الجنة بأعمالهم"، بل قال: ﴿أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ﴾؛ ليعلم العبد أن أعظم أعمال الطاعة لا توجب الثواب بذاتها، بل بمحض رحمة الله وفضله، وختم بالفاصلة ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ تثبيتاً لقلوبهم ومغفرة لما فرط من زلل في تأويل الشهر الحرام.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
حقيقة الرجاء المحمود والفرق بينه وبين الغرور والتمني:
تؤسس الآية للأصل القلبي العظيم في حقيقة الرجاء الإيماني؛ فالرجاء المحمود شرعاً وعقلاً لا يكون إلا بعد تقديم البضاعة واستفراغ الجهد في العمل الصالح (الإيمان، الهجرة، الجهاد)، كالفلاح الذي يحرث الأرض ويبذر البذر ويسقي الزرع ثم يرجو فضل الله في الثمار.
وأما من يفرط في الواجبات ويرتكب المحرمات ويزعم أنه "يرجو رحمة الله"، فليس برجاء، وإنما هو غرور وتمنٍّ باطل وأماني خادعة.
الإشارة بـ ﴿أُولَئِكَ﴾ للبعيد، للدلالة على علو درجتهم ورفعة منزلتهم السامية عند الله تعالى.
عطف ﴿هَاجَرُوا﴾ و﴿جَاهَدُوا﴾ على ﴿آمَنُوا﴾ لإبراز أن الإيمان ليس مجرد تصديق نظري كامن في الصدور، بل شجرة مثمرة تقتضي التضحية بالوطن (الهجرة) وبذل النفس والمال (الجهاد).
الإشارات الإيمانية ولطائف التدبر:
قال الإمام الحسن البصري رحمه الله: «إن قوماً ألهتهم أماني المغفرة حتى خرجوا من الدنيا ولا حسنة لهم، وقالوا: نحسن الظن بالله! وكذبوا، لو أحسنوا الظن لأحسنوا العمل»، وتلا هذه الآية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ﴾.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الثمرات السلوكية والتطبيق المعاصر:
الجمع الدائم بين العمل الصالح المتفاني وبين الخوف والرجاء والتواضع أمام الله سبحانه، دون إدلال بعمل أو اغترار بعبادة.
بعث روح الهجرة المعنوية بترك ما نهى الله عنه، والجهاد الفكري والدعوي والأخلاقي لإعلاء كلمة الحق في الواقع المعاصر.
شهادات الأعلام ورؤى المصلحين:
كتب ابن القيم في مدارج السالكين (ج٢، ص٣٦): «جعل الله الرجاء لأهل هذه الأعمال الثلاثة: الإيمان، والهجرة، والجهاد؛ فمن ظن أنه ينال رحمة الله بمجرد التمني دون هذه الأعمال فهو مغرور مكذوب عليه، فالرجاء بلا عمل تمنٍّ وبطالة».
الدلائل والإشارات:
بيان منزلة المؤمنين المهاجرين المجاهدين العلية عند الله سبحانه.
تقرير أن الرجاء الشرعي الحقيقي إنما يترتب على بذل الجهد والعمل الصالح.
التنبيه على أن دخول الجنة ونيل الثواب إنما هو برحمة الله وفضله لا بمجرد استحقاق العمل.