أخرج البخاري في صحيحه (كتاب الأيمان والنذور، باب اللغو في الأيمان، حديث رقم ٦٦٦٣) وأبو داود (رقم ٣٢٥٤)مصدر غير محددحديث رقم ٣٢٥٤ عن عائشة رضي الله عنها في قوله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ قالت: «هو قول الرجل: لا والله، وبلى والله، وكلا والله» (أي ما يجري على اللسان بغير قصد الحلف وعقد القلب).
وروى ابن جرير الطبري في جامع البيان عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «لغو اليمين هو أن تحلف على الشيء وأنت ترى وتظن أنه كذلك ثم يتضح على خلاف ما ظننت»، فلا إثم فيه ولا كفارة.
الآثار والمرويات التفسيرية المسندة:
أخرج البخاري في صحيحه (كتاب الأيمان والنذور، باب اليمين الغموس، حديث رقم ٦٦٧٥) عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما، عن النبي ﷺ قال: «الكبائر: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وقتل النفس، واليمين الغموس». وسُميت غموساً لأنها تغمس صاحبها في الإثم ثم في النار، وهي التي يعقد عليها قلبه كاذباً عامداً لأكل حقوق الناس.
التخريج الحديثي وضبط الروايات:
أخرج أحمد في المسند (رقم ٢٤٣٣٠) بإسناد صحيح عن عائشة رضي الله عنها، أن رسول الله ﷺ قال في لغو اليمين: «هو كلام الرجل في بيته: كلا والله، وبلى والله».
*صحيحه* (كتاب الأيمان والنذور، باب اللغو في الأيمان، حديث رقم ٦٦٦٣)مصدر غير محددحديث رقم ٦٦٦٣*صحيحه* (كتاب الأيمان والنذور، باب اليمين الغموس، حديث رقم ٦٦٧٥)مصدر غير محددحديث رقم ٦٦٧٥*المسند* (رقم ٢٤٣٣٠)مسند الإمام أحمدأحمد بن حنبلحديث رقم ٢٤٣٣٠صحيح
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
لَا يُؤَاخِذُكُمُ
المؤاخذة: المعاقبة والمحاسبة على الذنب ومجازاة الجاني بموجب جرمه.
اللَّغْوِ
اللغو في اللغة: الساقط من الكلام الذي لا فائدة فيه ولا اعتداد به ولا قصد معه؛ ومنه لغو الطائر وهو صوته غير المفهوم؛ والمراد هنا: اليمين التي تجري على اللسان عفواً بلا عقد قلب، أو اليمين المبنية على غلبة الظن ثم يتبين خلافها.
كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ
الكسب: الجلب والتحصيل والعمل؛ وكسب القلب: قصده ونيته الجازمة وعقده المصمم على اليمين؛ فالمدار على ما واطأ فيه القلب اللسان.
حَلِيمٌ
صفة مشبهة؛ الحليم هو الذي لا يستفزه الغضب ولا يعاجل بالعقوبة بل يمهل عباده ليتوبوا.
جار ومجرور متعلق بمحذوف حال من اللغو أو باللغو نفسه.
وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ
الواو عاطفة، ﴿لكن﴾ حرف استدراك لا عمل له، ﴿يؤاخذكم﴾ مضارع مرفوع وفاعله مستتر والكاف مفعول به.
بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ
الباء حرف جر، ﴿ما﴾ مصدرية أو موصولة؛ فإن كانت موصولة فالمعنى: بالذي كسبته قلوبكم، ﴿كسبت﴾ فعل ماضٍ والتاء للتأنيث، ﴿قلوبكم﴾ فاعل مرفوع والكاف مضاف إليه.
وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ
الواو استئنافية، مبتدأ وخبران مرفوعان.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
وجه المناسبة بين الآية وما قبلها:
لما نهى الله في الآية السابقة عن جعل الأيمان مانعة من البر، وعن التورط في اليمين المعطلة للخير، بين هنا أقسام الأيمان من حيث المؤاخذة والمسؤولية؛ فخفف عن الأمة ورفع الحرج عما يجري على اللسان عفواً بغير قصد (لغو اليمين)، وحصر المؤاخذة فيما انعقد عليه القلب وتعمدته النية، ليكون المكلف على بصيرة تامة بحدود دينه.
التناسب الداخلي وبناء الفاصلة القرآنية:
التقابل الدقيق بين حركة اللسان العابرة المجردة عن القصد: ﴿بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾، وبين حركة القلب العميقة المقصودة: ﴿بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾.
ختم الآية بالصفتين: ﴿غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ يتناسب تماماً مع العفو والتجاوز عن لغو الأيمان وإمهال المذنبين للتوبة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
أقسام الأيمان وأحكامها الفقهية في ضوء الآية:
قسم العلماء الأيمان بالنظر إلى المؤاخذة والكفارة إلى ثلاثة أنواع:
يمين اللغو: وهي التي تجري على اللسان بلا قصد ("لا والله"، "بلى والله")، أو يحلف على شيء يظنه صادقاً فيتبين خلافه؛ فهذه لا إثم فيها ولا كفارة بنص الآية وإجماع العلماء.
اليمين المنعقدة: وهي التي يعقد الحالف قلبه عليها قاصداً إمضاء أمر في المستقبل؛ وهذه إن برّ فيها فلا شيء عليه، وإن حنث وجبت عليه الكفارة المقررة في سورة المائدة: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ...﴾.
اليمين الغموس: وهي الحلف الكاذب العمد على أمر ماضٍ لأكل حقوق الناس؛ فهذه فيها أعظم الإثم، ومذهب الجمهور (مالك وأبو حنيفة وأحمد) أنه لا كفارة فيها لأنها أعظم من أن تكفرها كفارة إطعام أو كسوة، بل يلزمها التوبة النصوح ورد المظالم؛ وقال الشافعي: تجب فيها الكفارة مع التوبة.
أصالة القلب ومناط التكليف في الإسلام:
تقرر الآية أصلاً نفسياً وتشريعياً فريداً؛ فالأعمال في الإسلام لا تُقاس بمجرد الحركات الفيزيائية أو الألفاظ الصوتية المجردة، بل بمواطأة القلب والقصد الجازم: ﴿بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾، وهو مصداق قوله ﷺ: «إنما الأعمال بالنيات».
نسبة الكسب إلى ﴿قُلُوبُكُمْ﴾ دون الأيدي أو الألسن؛ للتنبيه على أن القلب هو ملك الأعضاء ومصدر العزائم والقرارات، فكسبه هو العزم الصادق والقصد الخالص.
إيثار الاستدراك بـ ﴿وَلَكِنْ﴾ لتأكيد الفرق الحاسم بين ما يسقط عفواً وما يُسجل في صحائف المؤاخذة والمسؤولية.
الإشارات الإيمانية ولطائف التدبر:
قال الإمام ابن رجب الحنبلي في جامع العلوم والحكم (ص١٢): «حركات اللسان كثيرة، والخطأ فيها واقع، فمن رحمة الله بهذه الأمة أن رفع عنها إثم ما لم يتعمده القلب، وجعل المؤاخذة مرتبطة بكسب القلوب؛ فالقلب هو موضع نظر الرب تبارك وتعالى».
*جامع العلوم والحكم* (ص١٢)جامع العلوم والحكم في شرح خمسين حديثا من جوامع الكلمابن رجب الحنبلي١٢
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الثمرات السلوكية والتطبيق المعاصر:
طمأنة المسلم من الوساوس العارضة فيما يسبق إليه اللسان بلا قصد في أحاديث اليوم والتعاملات العادية.
مراقبة القلب وتطهيره من النوايا الفاسدة والعزائم الآثمة وعقد الأيمان الكاذبة.
شهادات الأعلام ورؤى المصلحين:
كتب الشيخ السعدي في تيسيره (ص١٠١): «من لطف الله وتيسيره أنه لم يؤاخذ بلغو اليمين، وهو الذي يجري على اللسان بغير قصد، وإنما المؤاخذة على ما عزم عليه القلب؛ فدل ذلك على شرف القلب وأنه الأصل في محاسبة العبد ومجازاته».
الدلائل والإشارات:
إسقاط الإثم والكفارة في أيمان اللغو رحمة من الله وتيسيراً: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾.
ثبوت المؤاخذة والعقوبة على الأيمان المنعقدة بما قصده القلب وعزم عليه: ﴿بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾.
التقرير القرآني بأن نية القلب وقصده هو المعتبر في سائر التكاليف والأحكام.