وقد حرر أئمة التفسير المسند (ابن جرير الطبري في «جامع البيان»، وابن كثير في «تفسير القرآن العظيم»، والبغوي في «معالم التنزيل»):
فضل آية الكرسي ومكانتها في السنة النبوية:
أخرج مسلم في صحيحه (كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب فضل سورة الكهف وآية الكرسي، حديث رقم ٨١٠)، وأحمد في المسند (رقم ٢١١٨٩) عن أُبَيّ بن كعب رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «يا أبا المنذر، أتدري أي آية من كتاب الله معك أعظم؟» قال: قلت: الله ورسوله أعلم، قال: «يا أبا المنذر أتدري أي آية من كتاب الله معك أعظم؟» قال: قلت: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾، فضرب في صدري وقال: «واللهِ لِيَهْنِكَ العِلْمُ أبا المُنْذِر! والذي نفسي بيده إن لها لساناً وشفتين تقدس الملك عند ساق العرش».
وأخرج البخاري في صحيحه تعليقاً بصيغة الجزم (كتاب الوكالة، باب إذا وكّل رجلاً فترك الوكيل شيئاً، حديث رقم ٢٣١١)مصدر غير محددحديث رقم ٢٣١١ من حديث أبي هريرة رضي الله عنه في قصة حراسته لزكاة رمضان ومخاتلة الشيطان له ثلاث ليالٍ، حتى قال له الشيطان في الليلة الثالثة: «إذا أويتَ إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ حتى تختم الآية؛ فإنك لن يزال عليك من الله حافظ، ولا يقربنك شيطان حتى تصبح»، فقال النبي ﷺ: «أما إنه قد صدقك وهو كذوب؛ تعلم من تخاطب منذ ثلاث ليال يا أبا هريرة؟ ذاك شيطان».
الآثار والمرويات التفسيرية المسندة:
أخرج النسائي في السنن الكبرى (كتاب عمل اليوم والليلة، حديث رقم ٩٨٤٨)، والطبراني في المعجم الكبير، وصححه ابن حبان والألباني، عن أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «من قرأ آية الكرسي دُبُرَ كل صلاة مكتوبة لم يمنعه من دخول الجنة إلا أن يموت».
وروى أحمد وأبو داود والترمذي وصححه عن أسماء بنت يزيد رضي الله عنها، أن النبي ﷺ قال: «اسم الله الأعظم في هاتين الآيتين: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾، وفاتحة آل عمران: ﴿الم * اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾»، وهي مطابقة لمطلع آية الكرسي.
التخريج الحديثي وضبط الروايات:
حديث ابن عباس الموقوف في تفسير الكرسي: أخرجه الدارمي في الرد على المريسي، وابن خزيمة في التوحيد (رقم ١٥٤)، والحاكم في المستدرك (ج٢، ص٢٨٢) وصححه على شرط الشيخين ووافقه الذهبي وصححه الألباني في الصحيحة (رقم ١٠٩) عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «الكرسي موضع القدمين، والعرش لا يقدر قدره إلا الله عز وجل».
*صحيحه* (كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب فضل سورة الكهف وآية الكرسي، حديث رقم ٨١٠)مصدر غير محددحديث رقم ٨١٠*السنن الكبرى* (كتاب عمل اليوم والليلة، حديث رقم ٩٨٤٨)مصدر غير محددحديث رقم ٩٨٤٨*المستدرك* (ج٢، ص٢٨٢)المستدرك على الصحيحينالحاكم النيسابوري٢/٢٨٢*المسند* (رقم ٢١١٨٩)مسند الإمام أحمدأحمد بن حنبلحديث رقم ٢١١٨٩*التوحيد* (رقم ١٥٤)مصدر غير محددحديث رقم ١٥٤*الصحيحة* (رقم ١٠٩)مصدر غير محددحديث رقم ١٠٩
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
الْحَيُّ
صفة مشبهة؛ ذو الحياة الدائمة الأزلية الأبدية التي لا أول لها ولا نهاية، الواهب للحياة لكل حي.
الْقَيُّومُ
صيغة مبالغة على وزن فَيْعُول من قام يقوم؛ وهو القائم بنفسه الغني عن كل خلقه، المقيم لغيره الذي تقوم به السماوات والأرض ويدبر شؤون الخلائق كلها.
سِنَةٌ
السِّنَة (بكسر السين): النعاس وفترة النعاس التي تسبق النوم وتبتدئ في الرأس والعين دون القلب.
كُرْسِيُّهُ
الكرسي في كلام العرب: ما يُجلس عليه؛ وكرسي العلم: أصله؛ والكرسي المنسوب لله تعالى مخلوق عظيم هائل بين يدي العرش؛ كما جاء في الأثر: «ما السماوات السبع في الكرسي إلا كدراهم ألقيت في فناء، وما الكرسي في العرش إلا كحلقة من حديد ألقيت بين ظهري فلاة من الأرض».
يَئُودُهُ
آدَه الشيء يَئُودُه أَوْداً: أثقله وأجهده وشق عليه؛ والمعنى: لا يثقله ولا يكرثه ولا يشق عليه حفظ السماوات والأرض وما بينهما لكمال قدرته.
الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ
العلي: ذو العلو المطلق: علو الذات، وعلو القهر، وعلو القدر والشأن؛ العظيم: الذي لا شيء أعظم منه في ذاته وصفاته وسلطانه.
اللَّهُ
اسم الجلالة مبتدأ مرفوع بالضمة الظاهرة.
لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ
﴿لا﴾ نافية للجنس، ﴿إله﴾ اسمها مبني على الفتح وخبرها محذوف تقديره حق، ﴿إلا﴾ أداة حصر، ﴿هو﴾ بدل من الضمير في الخبر المحذوف أو بدل من محل لا واسمها، والجملة في محل رفع خبر المبتدأ.
الْحَيُّ الْقَيُّومُ
خبر ثانٍ وخبر ثالث لاسم الجلالة، أو بدلان.
لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ
﴿لا﴾ نافية، ﴿تأخذه﴾ مضارع ومفعول به، ﴿سِنَةٌ﴾ فاعل مؤخر مرفوع، ﴿ولا نوم﴾ معطوف، والجملة خبر رابع أو حال.
استفهام إنكاري بمعنى النفي؛ ﴿من﴾ مبتدأ، ﴿ذا﴾ اسم إشارة خبره (أو من ذا كلمة واحدة)، ﴿الذي﴾ بدل أو نعت، وجملة ﴿يشفع﴾ صلته، ﴿عنده﴾ ظرف متعلق بيشفع، ﴿إلا بإذنه﴾ استثناء مفرغ في موضع الحال.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
وجه المناسبة وموقع آية الكرسي في سورة البقرة:
توسطت آية الكرسي سورة البقرة كواسطة العقد في التاج؛ بعد أن قرر الله في الآية السابقة أن الآخرة لا بيع فيها ولا خلة ولا شفاعة إلا بإذنه، جاءت آية الكرسي لتقرر الإلهيات الكبرى وأصول التوحيد وسلطان الربوبية المطلق الذي تخر له الجباه ساجدة؛ فجمعت عشر جُمَل مستقلة متناسقة، كل جملة منها تقرر أصلاً عقدياً إلهياً عظيماً.
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
منهج أهل السنة والجماعة في إثبات صفات الله في آية الكرسي:
تضمنت الآية إثبات أسماء الله الحسنى وصفاته العلى على طريقة السلف الصالح: إثبات بلا تمثيل، وتنزيه بلا تعطيل؛ فنثبت له سبحانه: الحياة الكاملة، والقيومية، والملك، والشفاعة المقيدة، والعلم المحيط، والكرسي الحقيقي، والقدرة التي لا تكترث بحفظ الأكوان، والعلو المطلق بذاته وقدره وقهره، والعظمة الكاملة؛ منزهين الرب تبارك وتعالى عن السنة والنوم والعجز واللغوب والتعب.
معنى الكرسي ودحض تأويلات المعطلة:
قال أئمة السلف (ابن عباس وأبو موسى وسعيد بن جبير ومسلم بن يسار وأحمد بن حنبل): الكرسي خلق عظيم هائل بين يدي العرش كالمقدمة له وموضع القدمين لله تعالى على الوجه اللائق بجلاله من غير تكييف ولا تمثيل؛ خلافاً لمن تأوله بالعلم أو القدرة أو الملك؛ لأن الله قال: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ وعلمه وسع كل شيء، وقد ثبت في الآثار تمييز الكرسي عن العرش وعن العلم تمييزاً صريحاً.
البعد البياني والبلاغي والإشاري والتدبري
الأسرار البلاغية والبيانية:
الاستغراق التام في النفي والإثبات؛ فكل صفة سلبية (السنة، النوم، العجز) تقابلها صفة ثبوتية في غاية الكمال (الحياة، القيومية، القوة المطلقة).
الاستفهام الإنكاري في ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ﴾ لإبراز الهيبة الإلهية والملكوت الأعظم؛ حيث تصمت الخلائق كلها ولا يجرؤ أحد على النطق إلا بعد أن يخرج الإذن من لدن رب العالمين.
الإشارات الإيمانية ولطائف التدبر:
قال الإمام ابن القيم في مدارج السالكين (ج١، ص٨٩): «اسم الله "الحي القيوم" هما الاسمان اللذان عليهما مدار الأسماء الحسنى كلها؛ فالحي يتضمن جميع صفات الذات كالسمع والبصر والعلم والقدرة، والقيوم يتضمن جميع صفات الأفعال كالخلق والرزق والإحياء والإماتة والتدبير؛ ولهذا كانت آية الكرسي سيدة آي القرآن لاشتمالها عليهما».
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الثمرات السلوكية والتطبيق المعاصر:
ملازمة قراءة آية الكرسي دبر كل صلاة وعند النوم وفي أذكار الصباح والمساء لتحصين النفس والبيت من وساوس الشياطين ونزغات السوء.
امتلاء القلب بتعظيم الله وخشيته وهيبته، واستصغار كل قوى الأرض وطواغيتها أمام عظمة العلي العظيم الذي وسع كرسيه السماوات والأرض.
شهادات الأعلام ورؤى المصلحين:
كتب سيد قطب في الظلال (ج١، ص٢٧٠): «هذه هي الآية الكبرى التي تمثل قمة التوحيد في القرآن الكريم... عشر جمل متناسقة تصعد بالنفس البشرية إلى سماء التجريد الإلهي المطلق، وتخلع عنها كل أوهام الشرك والضعف والخوف... فإذا امتلأ القلب بأن الله هو الحي القيوم العلي العظيم استراح من كل قلق، واستعلى على كل طاغوت».
الدلائل والإشارات:
تقرير أعظم آية في كتاب الله واشتمالها على اسم الله الأعظم: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾.
نفي النعاس والنوم وكافة صور النقص والعجز عن الله تعالى: ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾.
إثبات ملكية الله المطلقة لكل ما في السماوات وما في الأرض: ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾.
تقييد الشفاعة بإذن الله تعالى وإثبات كبريائه وسلطانه: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾.
إحاطة علم الله الأزلي بالماضي والحاضر والمستقبل وقصور علم الخلق: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾.