وقد حرر أئمة التفسير المسند (ابن جرير الطبري في «جامع البيان»، وابن كثير في «تفسير القرآن العظيم»، والبغوي في «معالم التنزيل»):
الآثار الصحيحة في تأويل المثل:
أخرج البخاري في «صحيحه» كتاب التفسير (الرقم: 4538)مصدر غير محددحديث رقم ٤٥٣٨ عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «تذاكر أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يوماً هذه الآية: ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ﴾، فقالوا: الله أعلم، فغضب عمر وقال: قولوا نعلم أو لا نعلم، فقال ابن عباس: في نفسي منها شيء يا أمير المؤمنين، قال: قل يا ابن أخي ولا تحقر نفسك! قال ابن عباس: ضربت مثلاً لعمل، قال عمر: أي عمل؟ قال: لرجل غني يعمل بطاعة الله ثم بعث الله له الشيطان فعمل بالمعاصي حتى أغرق أعماله».
وأخرج الحاكم في «المستدرك» (2/289)المستدرك على الصحيحينالحاكم النيسابوري٢/٢٨٩ وصححه وابن أبي حاتم (الرقم: 2724)مصدر غير محددحديث رقم ٢٧٢٤ عن قتادة والسدي في الآية: «هذا مثل ضربه الله لمن عمل عملاً صالحاً حتى إذا كان أحوج ما يكون إليه عند كبر سنه وموته، أتبعه رياءً أو مناً أو معصية فأحرقه، فلم يجد عند الله شيئاً فخاب وخسر».
وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ: جمع بين حالتين من الضعف والعجز البالغ: عجز الشيخوخة في صاحب الجنة فلا قدرة له على الغرس والعمل والابتداء، وضعف الذرية وصغر سنهم فلا يقدرون على الكسب والإنفاق على أنفسهم وأبيهم.
إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ: الإعصار ريح شديدة تستدير وترتفع إلى السماء كالعامود وتحمل الغبار، وإذا كان فيه نار (سموم ملتهب وصواعق) أحرق كل ما مر به في لحظة خاطفة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
قمة التحذير من حبوط العمل بعد الاستكثار منه:
لما حذر القرآن من إبطال الصدقة بالمن والأذى والرياء في الآيات السابقة، ختم هذه السلسلة بالمثل الأكثر إيقاعاً ورهبة في النفس البشرية؛ ليرسم صورة الفجيعة الكبرى التي تحل بمن كان يرجو ثواب عمله يوم القيامة، فإذا به يقدم على ربه فيجد كل بستانه وبذاره قد احترق وصار رماداً تذروه الرياح.
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة: كيف تحترق جنة مؤمن بعد بذله ونفقته؟:
المحاكمة والتحقيق: الآية تحذر من سوء الخاتمة ومن قواطع الطريق الإيماني؛ فالعبد قد يعمل صالحاً مدة من عمره، ثم يغتر ويمن ويؤذي ويفسد قلبه بالرياء والذنوب، فيذهب أثر عمله الصالح؛ فالحاجة إلى حفظ العمل حتى الممات أشد من الحاجة إلى ابتداء العمل، كما قال صلى الله عليه وسلم: «وَإِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالخَوَاتِيمِ» (رواه البخاري: 6607).
عرض القرآن مشهداً تراجيدياً يهز المشاعر والوجدان؛ فلا يوجد عاقل يرضى لنفسه أن يكون في هذا الموقف في دنياه، فكيف يرضى أن يلقى الله يوم القيامة مفلساً بعد أن كان يظن أنه من أهل الجنات؟!
التعقيب بـ ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ﴾:
دعوة لإعمال العقل والتفكر في عواقب الأمور ومآلات الأفعال، وحراسة الأعمال من المهلكات.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
وجوب الخوف من حبوط العمل وسوء الخاتمة:
ينبغي للمؤمن ألا يغتر بكثرة صلاته وصدقته، بل يظل وجلاً مشفقاً ألا تتقبل منه، ويسأل الله الثبات وحسن الخاتمة.
الحرص على بقاء الصدقة الجارية نقية:
من أراد أن ينفع ذريته الضعفاء بعد موته فليتق الله في سره وعلانيته، وليجتنب المن والأذى، فإن بركة التقوى تحفظ الذرية: ﴿وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا﴾.