حث رباني مباشر لأهل الإيمان على البدار بالإنفاق في سبيل الله وسائر أبواب البر قبل حلول يوم القيامة وانقطاع زمن العمل؛ حيث تنعدم كل الوسائل الدنيوية للتخلص من العذاب: فلا فداء بمال، ولا صداقة تنفع، ولا شفاعة إلا بإذن الله ورضاه.
أخرج ابن جرير الطبري في جامع البيان، وابن أبي حاتم في تفسيره (ج٢، ص٥٥٦) عن السدي وقتادة قالا: «يأمر الله عباده المؤمنين بالصدقة والنفقة في سبيل الله والجهاد، ويحذرهم من هول يوم القيامة الذي تبطل فيه التجارات وتتقطع فيه الأسباب والخلات».
الآثار والمرويات التفسيرية المسندة:
أخرج البخاري في صحيحه (كتاب الزكاة، باب الصدقة قبل الرد، حديث رقم ١٤١١) ومسلم في صحيحه (حديث رقم ١٠١٦) من حديث عدي بن حاتم رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه ليس بينه وبينه ترجمان، فينظر أيمن منه فلا يرى إلا ما قدم، وينظر أشأم منه فلا يرى إلا ما قدم، وينظر بين يديه فلا يرى إلا النار تلقاء وجهه، فاتقوا النار ولو بشق تمرة».
وروى الترمذي (رقم ٢٤١٦)مصدر غير محددحديث رقم ٢٤١٦ وصححه عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، عن النبي ﷺ قال: «لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يُسأل عن أربع: عن عمره فيم أفناه، وعن علمه ما عمل به، وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه، وعن جسمه فيم أبلاه».
التخريج الحديثي وضبط الروايات:
أخرج مسلم في صحيحه (كتاب الإيمان، باب إثبات الشفاعة وإخراج الموحدين من النار، حديث رقم ١٩٣) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، مبيناً شروط الشفاعة المقبولة وهي: إذن الله للشافع ورضاه عن المشفوع له، مما يفسر نفي الشفاعة الشركية الباطلة في الآية.
*صحيحه* (كتاب الإيمان، باب إثبات الشفاعة وإخراج الموحدين من النار، حديث رقم ١٩٣)مصدر غير محددحديث رقم ١٩٣*صحيحه* (كتاب الزكاة، باب الصدقة قبل الرد، حديث رقم ١٤١١)مصدر غير محددحديث رقم ١٤١١*صحيحه* (حديث رقم ١٠١٦)مصدر غير محددحديث رقم ١٠١٦*تفسيره* (ج٢، ص٥٥٦)مصدر غير محدد٢/٥٥٦
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ
التعبير بـ ﴿مِمَّا﴾ التبعيضية تيسيراً وتخفيفاً؛ أي أنفقوا بعض ما تفضلنا به عليكم لا كله، ونسبة الرزق إلى نون العظمة تذكيراً بأن المال مال الله والإنسان مستخلف فيه.
بَيْعٌ
البيع: مبادلة مال بمال؛ والمراد هنا: الفدية وافتداء النفس بالمال؛ أي لا فداء ينقذ من العذاب، كما قال: ﴿لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ﴾.
خُلَّةٌ
الخُلّة (بضم الخاء): الصداقة العميقة والمودة الخالصة التي تخللت مسالك الروح؛ يقال: خاللت فلاناً إذا اتخذته خليلاً؛ والمراد: لا صداقة تغني أو تحابي بغير حق.
شَفَاعَةٌ
الشفاعة: الانضمام إلى الغير لمعونته وتخليصه من مكروه؛ مأخوذ من الشَّفْع ضد الوتر.
وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ
القصر والحصر بضمير الفصل؛ أي هم الكاملون في الظلم؛ لأنهم وضعوا العبادة في غير موضعها وأشركوا بالله.
قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وعاصم وحمزة والكسائي برفع الكلمات الثلاث وتنوينها ﴿لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ﴾ على إعمال (لا) عمل ليس أو مبتدأ و﴿فيه﴾ خبره وتكرار النفي؛ وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب في رواية بفتح الكلمات الثلاث بلا تنوين ﴿لَا بَيْعَ فِيهِ وَلَا خُلَّةَ وَلَا شَفَاعَةَ﴾ على إعمال (لا) عمل إن النافية للجنس للتنصيص على نفي الجنس كلياً؛ وهما قراءتان متواتران متكاملتان.
وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ
الواو استئنافية، ﴿الكافرون﴾ مبتدأ مرفوع بالواو، ﴿هم﴾ ضمير فصل لا محل له أو مبتدأ ثانٍ، و﴿الظَّالِمُونَ﴾ خبر مرفوع بالواو.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
وجه المناسبة بين الآية وما قبلها:
بعد أن قرر الله في الآية السابقة تفضيل الرسل واقتتال الأمم بعدهم واختلافهم إلى مؤمن وكافر، وجه الخطاب في مطلع هذا المقطع الجديد إلى الذين آمنوا يحثهم على اغتنام الحياة الدنيا بالإنفاق والبذل قبل مجيء يوم القيامة الفاصل؛ حيث لا ينفع حينئذٍ إلا ما قدم العبد من صالح العمل.
التناسب الداخلي وبناء الفاصلة القرآنية:
نفي جميع سبل الخلاص الدنيوية المعروفة عند البشر:
نفي الافتداء بالمال: ﴿لَا بَيْعٌ فِيهِ﴾.
نفي المحاباة بالصداقة والقرابة: ﴿وَلَا خُلَّةٌ﴾.
نفي الوساطة الذاتية المستقلة: ﴿وَلَا شَفَاعَةٌ﴾.
ثم التعقيب الصارم: ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾؛ لبيان أن كل من عطل الإنفاق وبخل وترك الإيمان فقد أوقع نفسه في الظلم الأكبر.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
الجمع بين نفي الشفاعة وإثباتها في القرآن والسنة:
يظن بعض المبتدعة والمستشرقين تعارضاً بين قوله هنا: ﴿وَلَا شَفَاعَةٌ﴾ وقوله في الآية التالية مباشرة: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ والأحاديث المتواترة في ثبوت الشفاعة؛
والتحقيق العقلي والشرعي لأهل السنة: أن الشفاعة المنفية غير الشفاعة المثبتة:
الشفاعة المنفية: هي شفاعة أهل الشرك والجاهلية الذين زعموا أن أصنامهم أو شفعاءهم يشفعون عند الله استقلالاً دون إذنه ومحبته كشفاعة وزراء الدنيا عند الملوك، والشفاعة للكافرين الذين ماتوا على الشرك؛ فهذه باطلة منفية قطعاً.
الشفاعة المثبتة: هي الشفاعة لأهل التوحيد المقيدة بشرطين: إذن الله للشافع أن يشفع، ورضاه عن المشفوع له؛ كما قال تعالى: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾، وهي كرامة من الله للشافع ورحمة بالمشفوع.
قصر الظلم على الكافرين في قوله ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ بقصر القلب أو قصر الإفراد؛ لبيان أن الكفر هو أصل الظلم وأعظمه: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾؛ لأنهم ظلموا أنفسهم بإيرادها العذاب وظلموا نعمة الله بالكفران.
التنكير في ﴿يَوْمٌ﴾ للتهويل والتفخيم؛ أي يوم عظيم هائل ترتعد له الفرائص وتضطرب له الألباب.
الإشارات الإيمانية ولطائف التدبر:
قال الإمام قتادة رحمه الله: «قد علم الله أن الناس يتخالّون في الدنيا، ويشفع بعضهم لبعض؛ فأما يوم القيامة فلا خلة إلا خلة المتقين، ولا شفاعة إلا بإذن الرحمن؛ فقدموا لأنفسكم من أموالكم ما تجدونه ذخراً عند ربكم».
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الثمرات السلوكية والتطبيق المعاصر:
المبادرة بالأعمال الصالحة والصدقات قبل مباغتة الموت وقبل فوات الأوان وانقطاع حبال الحيلة.
التحرر من التعلق بالوساطات والمجاملات الدنيوية في شأن النجاة الأخروية، وبناء الأمل على توحيد الله والعمل الصالح.
شهادات الأعلام ورؤى المصلحين:
كتب الشيخ ابن عاشور في التحرير والتنوير: «جاء هذا النداء عقب تفصيل أحكام الجهاد والأمم السابقة؛ ليستنهض همم المسلمين للبذل؛ فإن الدنيا سوق تجارية للمؤمن يربح فيها بالإنفاق، فإذا انقضت الدنيا جاء يوم لا بيع فيه ولا ربح ولا افتداء».
الدلائل والإشارات:
فرضية الإنفاق في سبيل الله واستحباب الصدقات قبل حلول يوم القيامة: ﴿أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ﴾.
انقطاع أسباب الفداء المادي والمخالّة البشرية في الآخرة: ﴿لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ﴾.
إبطال الشفاعة الشركية الذاتية التي يدعيها أهل الجاهلية: ﴿وَلَا شَفَاعَةٌ﴾.
تقرير أن الكفر هو منتهى الظلم وأصله: ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾.