وقد حرر أئمة التفسير المسند (ابن جرير الطبري في «جامع البيان»، وابن كثير في «تفسير القرآن العظيم»، والبغوي في «معالم التنزيل»):
سبب النزول وتحقيقه الإسنادي:
كانت المرأة في الجاهلية إذا مات عنها زوجها دخلت حِفْشاً (بيتاً صغيراً ضيقاً حقيراً) ولبست شر ثيابها، ولم تمس طيباً ولا ماءً ولا تقلم ظفراً، حولاً كاملاً (سنة كاملة)، ثم تخرج بعد الحول فترمي ببعرة على شاة أو طير إيذاناً بانقضاء العدة المقيتة! فرفع الله هذا الأصر البشع عن المرأة، ونسخ عدة الحول المذكورة في الآية (٢٤٠) من هذه السورة، وجعل عدة الوفاة أربعة أشهر وعشراً بهذه الآية المحكمة.
أخرج البخاري في صحيحه (كتاب الطلاق، باب قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا﴾، حديث رقم ٥٣٣٦) ومسلم في صحيحه (حديث رقم ١٤٨٨) من حديث أم حبيبة وأم سلمة وزينب بنت جحش رضي الله عنهن، أن رسول الله ﷺ قال: «لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تُحِدَّ على ميت فوق ثلاث ليالٍ، إلا على زوج أربعة أشهر وعشراً».
الآثار والمرويات التفسيرية المسندة:
أخرج البخاري في صحيحه (كتاب الطلاق، باب تحد المتوفى عنها زوجها أربعة أشهر وعشراً، حديث رقم ٥٣٣٨) عن أم سلمة رضي الله عنها: أن امرأة جاءت إلى رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله، إن ابنتي توفي عنها زوجها وقد اشتكت عينها، أفتكحلها؟ فقال رسول الله ﷺ: «لا» مرتين أو ثلاثاً، كل ذلك يقول: «لا»، ثم قال: «إنما هي أربعة أشهر وعشر، وقد كانت إحداكن في الجاهلية ترمي بالبعرة على رأس الحول!».
التخريج الحديثي وضبط الروايات:
عدة الحامل المتوفى عنها زوجها: أخرج البخاري في صحيحه (حديث رقم ٥٣١٨) ومسلم في صحيحه (حديث رقم ١٤٨٤) من حديث سُبَيْعَة الأسلمية رضي الله عنها أنها نُفست بعد وفاة زوجها سعد بن خولة بليالٍ، فمر بها أبو السنابل بن بعكك فقال: ما لي أراكِ تجملت للخطاب؟ ترجين النكاح؟ والله ما أنت بناكح حتى تمر عليك أربعة أشهر وعشر! فأتت النبي ﷺ فأخبرها بفتواه: «أنها قد حلت حين وضعت حملها، وأمرها أن تتزوج إن بدا لها»، وهذا تخصيص لعموم آية البقرة بآية سورة الطلاق: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾.
*صحيحه* (كتاب الطلاق، باب تحد المتوفى عنها زوجها أربعة أشهر وعشراً، حديث رقم ٥٣٣٨)مصدر غير محددحديث رقم ٥٣٣٨*صحيحه* (حديث رقم ١٤٨٨)مصدر غير محددحديث رقم ١٤٨٨*صحيحه* (حديث رقم ٥٣١٨)مصدر غير محددحديث رقم ٥٣١٨*صحيحه* (حديث رقم ١٤٨٤)مصدر غير محددحديث رقم ١٤٨٤
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
يُتَوَفَّوْنَ
التوفي: قبض الروح واستيفاء الأجل المقدر؛ وبُني الفعل لما لم يُسمَّ فاعله لأن المتوفي حقيقة هو الله تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا﴾ بواسطة ملائكته.
يَذَرُونَ
يتركون وراءهم بعد موتهم؛ والفعل واوي الفاء (وذر) أميت ماضيه ومصدره في فصيح كلام العرب واستغني عنهما بترك وتَرْكاً.
أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا
التقدير: وعشر ليالٍ؛ وأُنِّث العدد بحذف التاء ﴿عَشْرًا﴾ لأن الليالي مؤنثة، والعرب تغلب الليالي على الأيام في التاريخ لاعتماد التقويم القمري؛ وتدخل الأيام تبعاً لليالي.
فِي أَنْفُسِهِنَّ
من ترك الإحداد، والتطيب، ولبس الثياب الحسنة، والتعرض للخطاب بالمعروف.
جملة نفي الجنس جواب إذا، والخطاب للأولياء والمجتمع المسلم؛ لبيان رفع الحرج عنهم في ترك موليّاتهم يتصرفن بحرية ومشروعية بعد انقضاء العدة.
وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ
ختام مقرر بالخبرة الإلهية المحيطة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
وجه المناسبة بين الآية وما قبلها:
بعد أن بين الله أحكام الفراق بالطلاق وهو فراق باختيار الزوجين، انتقل إلى حكم الفراق الاضطراري الأليم وهو فراق "الوفاة"، فشرع عدة المتوفى عنها زوجها تكريماً للميثاق الزوجي، واستبراءً للرحم، ووفاءً لحق الزوج المتوفى، وتدرجاً بالمرأة لمواجهة الحياة الجديدة.
التناسب الداخلي وبناء الفاصلة القرآنية:
تحديد المدة بـ ﴿أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾؛ وهي مدة دقيقة تتوافق مع بدء نفخ الروح في الجنين إن كان هناك حمل كامن لم يظهر (مائة وعشرون يوماً كما في حديث ابن مسعود في الصحيحين، وزيدت عليها عشر ليالٍ للاستظهار والتحوط).
ختم الآية بقوله: ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾؛ تنبيهاً للأولياء وللمرأة على التزام المعروف ومراقبة الله الخبير بالبواعث والنيات.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
حكمة عدة الوفاة ومشروعية الإحداد:
تشرع عدة الوفاة لحكم سامية متعددة:
التأكد القطعي من براءة الرحم: فمدة أربعة أشهر وعشر كافية تماماً لتحرك الجنين وظهور الحمل إن وُجد، منعاً لاختلاط الأنساب.
الوفاء للميثاق الغليظ: فالموت فاجعة أليمة، ومن المروءة والوفاء للشريك ألا تبادر المرأة بالزواج والزينة في صبيحة وفاة زوجها، بل تتربص هذه المدة إظهاراً للحزن النبيل وإكراماً لذكراه وحفظاً لمشاعر أهله.
نسخ عدة الحول: نسخت هذه الآية المحكمة حكم الاعتداد بالحول المذكور في الآية (٢٤٠) بإجماع العلماء وتواتر السنة النبوية.
عموم عدة الوفاة للمدخول بها وغير المدخول بها:
أجمع فقهاء الأمة على أن عدة الوفاة (أربعة أشهر وعشر) واجبة على كل زوجة توفي عنها زوجها، سواء دخل بها أو لم يدخل بها؛ لعموم قوله: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا﴾، بخلاف المطلقة قبل الدخول فلا عدة عليها بنص سورة الأحزاب.
إسناد الفعل للضمير ﴿فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ﴾ وإتباعه بقيد ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾؛ إقرار باستقلالية المرأة وحريتها في اختيار حياتها وزينتها بعد انقضاء العدة في إطار ما أباحه الشرع دون وصاية تعسفية من الأولياء.
الإشارات الإيمانية ولطائف التدبر:
قال الإمام ابن العربي في أحكام القرآن: «انظر إلى رحمة الشريعة؛ كيف نقلت المرأة من سجن الجاهلية وعذاب الحول في الحفش النتن، إلى نظافة الإسلام ويسره في أربعة أشهر وعشر، تجمع بين وفاء الزوجية واستبراء الرحم، ثم تعود بعدها إلى كمال حياتها وطيب عيشها».
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الثمرات السلوكية والتطبيق المعاصر:
التزام المحادّة بالأحكام الشرعية للإحداد: ترك الزينة، والطيب، والكحل، وثياب الشهرة، ولزوم مسكن الزوجية إلا لضرورة أو حاجة نهاراً.
حماية الأرامل من عادات المجتمعات الجاهلية المعاصرة التي تفرض عليهن أشكالاً من الحبس أو تمنعهن من الزواج بعد انقضاء العدة بدعوى العيب الاجتماعي.
شهادات الأعلام ورؤى المصلحين:
كتب الشيخ ابن عاشور في التحرير والتنوير: «إن تحديد عدة الوفاة بأربعة أشهر وعشر ميزان إلهي دقيق؛ جمع بين حق الميت في الحزن عليه، وحق النسل في استبراء الرحم، وحق المرأة في العودة إلى مصالحها وعدم تعطيلها، فكان هذا التشريع من أسمى مظاهر رعاية الإنسان في أدق أحواله».
الدلائل والإشارات:
فرضية عدة الوفاة على الزوجات: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾.
شمول الحكم للمدخول بها وغير المدخول بها، والصغيرة والكبيرة، ما لم تكن حاملاً.
استثناء الحامل المتوفى عنها زوجها فعدتها وضع الحمل بنص سورة الطلاق وسنة سبيعة الأسلمية.
رفع الحرج عن الأولياء والمجتمع في تصرفات المرأة المشروعة بعد انقضاء عدتها: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾.
تقرير علم الله الخبير بأفعال العباد وظواهرهم وبواطنهم: ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾.