وقد حرر أئمة التفسير المسند (ابن جرير الطبري في «جامع البيان»، وابن كثير في «تفسير القرآن العظيم»، والبغوي في «معالم التنزيل»):
سبب النزول وتحقيقه الإسنادي:
كانت هذه الآية في أول الإسلام قبل استقرار أحكام الميراث والعدة المقررة؛ فكان حق المتوفى عنها زوجها أن تبقى في دار زوجها سنة كاملة (حولاً كاملاً) يُنفق عليها من تركته وصية واجبة، فإن شاءت أقامت وسكنت ونفقتها جارية، وإن شاءت خرجت من غير إجبار ولا نفقة. ثم نسخ الله هذا الحكم بآيات الميراث وبآية العدة المحكمة ﴿أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾.
أخرج البخاري في صحيحه (كتاب التفسير، باب قوله: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ﴾، حديث رقم ٤٥٣١) عن مجاهد قال: كانت هذه العدة تعتد عند أهل زوجها سنة واجبة، فأنزل الله: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾؛ فجعل الله للمتوفى عنها زوجها عدة أربعة أشهر وعشراً، ونُسخ الحول، وجعل لها الميراث بالربع والثمن في سورة النساء فنسخ نفقة الحول والوصية.
الآثار والمرويات التفسيرية المسندة:
أخرج البخاري في صحيحه (حديث رقم ٤٥٣٦) عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «نسخت هذه الآيةُ عدتَها عند أهله، فتعتد حيث شاءت؛ وهو قول الله تعالى: ﴿غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾؛ ثم نسخت آية المواريث النفقة والسكنى فجعل لها الربع أو الثمن».
وروى ابن أبي حاتم (ج٢، ص٥٠٦)مصدر غير محدد٢/٥٠٦صحيح بإسناد صحيح عن قتادة وعطاء والضحاك وإبراهيم النخعي: إجماع السلف على أن هذه الآية منسوخة الحكم تلاوتها باقية في المصحف.
التخريج الحديثي وضبط الروايات:
أخرج أحمد في المسند (رقم ٢١٨٨) وأصحاب السنن وصححه الترمذي، من حديث ابن عباس رضي الله عنهما في بيان الناسخ والمنسوخ في آيات سورة البقرة، وتأكيد أن الحكم استقر على الأربعة أشهر وعشر والميراث المفروض.
*صحيحه* (حديث رقم ٤٥٣٦)مصدر غير محددحديث رقم ٤٥٣٦*المسند* (رقم ٢١٨٨)مسند الإمام أحمدأحمد بن حنبلحديث رقم ٢١٨٨
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
وَصِيَّةً
قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر ﴿وَصِيَّةٌ﴾ بالرفع، وقرأ عاصم وحمزة والكسائي ﴿وَصِيَّةً﴾ بالنصب؛ فمن قرأ بالرفع فعلى أنها مبتدأ خبره محذوف: عليهم وصية، أو خبر لمبتدأ محذوف: فالواجب وصية؛ ومن قرأ بالنصب فعلى أنها مفعول مطلق لفعل محذوف: ليوصوا وصية، أو مفعول به لكتب الله عليكم وصية.
مَتَاعًا
نفقة وسكنى وانتفاعاً بالدار ومرافقها.
إِلَى الْحَوْلِ
غاية التمتيع وهي تمام السنة الكاملة.
غَيْرَ إِخْرَاجٍ
حال من الورثة أو من الأزواج؛ أي لا يحل لورثة الميت أن يخرجوها من بيت الزوجية طيلة الحول.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
وجه المناسبة وعلة تأخر تلاوة المنسوخ عن الناسخ:
سؤال بلاغي وأصولي جليل: لماذا تأخرت تلاوة هذه الآية (المنسوخة) عن الآية (٢٣٤) الناسخة لها؟!
والجواب عند أئمة النظم والتفسير (الزركشي في البرهان ج٢، ص٤١، والسيوطي في الإتقان ج٢، ص٧٠):
لبيان التدرج والرحمة في التشريع؛ فتلاوة المنسوخ بعد الناسخ تُبرز مقدار النعمة والتخفيف الذي نالته الأمة بالانتقال من عدة الحول إلى أربعة أشهر وعشر، ومن النفقة الاختيارية إلى الميراث المستقر.
استبقاء تلاوة الآية للتعبد بألفاظها وأخذ العبرة من تطور الأحكام ومقاصد الشريعة في رعاية المرأة في أحلك ظروفها.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
حقيقة النسخ في القرآن وحكمته التشريعية:
النسخ في القرآن ليس بدافع طروء علم جديد على الله تعالى عن ذلك علواً كبيراً، وإنما هو نقل العباد من حكم إلى حكم أصلح لهم في وقت محدد بحسب حكمة الله وتدرج الجماعة المسلمة؛ فنقلهم من عادات الجاهلية تدريجياً:
المرحلة الأولى: الإقامة في بيت الزوجية حولاً اختيارياً مع النفقة والوصية رحمة بها.
المرحلة الثانية: فرض العدة الصارمة بأربعة أشهر وعشر، وإسقاط حق الحول، وتمليكها الميراث الخاص بها المفروض في التركة في سورة النساء؛ فاستقرت كرامتها وأمنها المالي نهائياً.
البعد البياني والبلاغي والإشاري والتدبري
الأسرار البلاغية والبيانية:
التعبير بـ ﴿غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾ بصيغة المصدر المضاف؛ للدلالة على المنع القطعي للورثة من ممارسة أي ضغط أو تضييق لإخراج الأرملة من بيت زوجها؛ فالمنع موجه للإخراج الفعلي والتطفيش المعنوي.
الفاصلة ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾؛ عزيز في أمره ونسخه، حكيم في تدبير أحوال عباده وشرائعه في كل مرحلة.
الإشارات الإيمانية ولطائف التدبر:
قال الإمام القرطبي في تفسيره (ج٣، ص١٩٥): «بقاء رسم هذه الآية في المصحف الشريف مع نسخ حكمها درس للمؤمنين في تعظيم كلام الله، واستحضار كيف تدرج الوحي بالنفوس حتى نقلها من ضيق الجاهلية وظلمها إلى فضاء الإسلام وعدله التام».
*تفسيره* (ج٣، ص١٩٥)مصدر غير محدد٣/١٩٥
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الثمرات السلوكية والتطبيق المعاصر:
رعاية الأرامل وإكرامهن في بيوت الزوجية وعدم التضييق عليهن بعد وفاة الأزواج.
الإيمان بآيات القرآن كلها محكمها ومنسوخها، وتعلم فقه الناسخ والمنسوخ لفهم مقاصد الشريعة التراحمية.
شهادات الأعلام ورؤى المصلحين:
كتب الحافظ ابن كثير في تفسيره (ج١، ص٦٢٥): «أجمع العلماء على أن هذه الآية منسوخة بالآية المتقدمة عليها في التلاوة ﴿أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾، وبآيات المواريث؛ فصار للمرأة حقها المقدر في التركة بالفرض المستقل، وتلك حكمة بالغة ونعمة سابغة».
الدلائل والإشارات:
مشروعية وصية الزوج لأهله بالنفقة والسكنى قبل استقرار آيات المواريث.
نسخ حكم الاعتداد بالحول بآية أربعة أشهر وعشر وبآيات المواريث في سورة النساء.
بقاء تلاوة المنسوخ في القرآن للتعبد والتدبر ومعرفة حكمة التدرج التشريعي.
تحريم إخراج الأرملة قسراً أو إيذاؤها بعد وفاة زوجها: ﴿غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾.
ثبوت صفتي العزة والحكمة لله تعالى في أحكامه الناسخة والمنسوخة: ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾.