أخرج ابن جرير الطبري في جامع البيان، وابن أبي حاتم في تفسيره (ج٢، ص٣٩٨) عن السدي قال: نزلت هذه الآية يوم الخندق حين حاصر المشركون والأحزاب المدينة، وأصاب المسلمين جهد شديد وزلزال وبرد وخوف وجوع، حتى بلغت القلوب الحناجر وزاغت الأبصار.
وقال عطاء وقتادة في رواية أخرجها عبد الرزاق في تفسيره (رقم ٢٦٧): نزلت في غزوة أحد حين هُزم المسلمون وقُتل منهم سبعون وجُرح النبي ﷺ وكُسرت رباعيته، فشق ذلك على الصحابة حتى تمنوا النصر العاجل، فأنزل الله الآية تثبيتاً لهم وتذكيراً بسنن الأنبياء السابقين.
الآثار والمرويات التفسيرية المسندة:
أخرج البخاري في صحيحه (كتاب مناقب الأنصار، باب ما لقي النبي ﷺ وأصحابه من المشركين بمكة، حديث رقم ٣٨٥٢) عن خباب بن الأرت رضي الله عنه قال: شكونا إلى رسول الله ﷺ وهو متوسد بردة له في ظل الكعبة، فقلنا: ألا تستنصر لنا؟ ألا تدعو لنا؟ فقال: «قد كان من قبلكم يؤخذ الرجل فيُحفر له في الأرض فيُجعل فيها، فيُجاء بالمنشار فيُوضع على رأسه فيُجعل نصفين، ويُمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه، فما يصده ذلك عن دينه! والله ليتمن هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون». وهذا الحديث أصح ما يفسر قوله تعالى: ﴿مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا﴾.
التخريج الحديثي وضبط الروايات:
أخرج الترمذي في جامعه (رقم ٢٣٩٨) وصححه، من حديث مصعب بن سعد عن أبيه رضي الله عنه قال: قلت: يا رسول الله، أي الناس أشد بلاء؟ قال: «الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل؛ يُبتلى الرجل على حسب دينه، فإن كان دينه صلباً اشتد بلاؤه، وإن كان في دينه رقة ابتلي على حسب دينه، فما يبرح البلاء بالعبد حتى يتركه يمشي على الأرض ما عليه خطيئة».
*تفسيره* (ج٢، ص٣٩٨)مصدر غير محدد٢/٣٩٨*تفسيره* (رقم ٢٦٧)مصدر غير محددحديث رقم ٢٦٧*جامعه* (رقم ٢٣٩٨)مصدر غير محددحديث رقم ٢٣٩٨
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
أَمْ
منقطعة بمعنى بل والهمزة، وتفيد الإضراب الانتقالي مع الإنكار والاستبعاد؛ أي: بل أحسبتم وظننتم.
حَسِبْتُمْ
الحسبان: الظن والتقدير الوهمي غير المطابق للواقع.
مَثَلُ
الشبه والحال والصفة العجيبة المستغربة؛ أي حال الذين مضوا من قبلكم من الأمم السابقة والمؤمنين المبتلين.
الْبَأْسَاءُ
مشتقة من البؤس، وهو الفقر الشديد والفاقة وشظف العيش والحاجة إلى القوت.
الضَّرَّاءُ
مشتقة من الضرر والضَّر، وهو المرض والأسقام وفساد البدن وما يصيب الجسد من الجراح والآلام.
زُلْزِلُوا
الزلزلة في الأصل: التحريك العنيف المتتابع؛ يقال: زلزلت الأرض إذا تتابعت حركاتها واضطربت، واستعيرت هنا لشدة الخوف والذعر والفتن والمحن والمضايق التي تهز القلوب والنفوس هزاً شديداً.
أَمْ
حرف إضراب واستفهام إنكاري.
حَسِبْتُمْ
فعل ماضٍ مبني على السكون، والتاء فاعل، والميم للجمع.
أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ
﴿أنْ﴾ مصدرية ناصبة، ﴿تدخلوا﴾ فعل مضارع منصوب بحذف النون، والواو فاعل، ﴿الجنة﴾ مفعول به على السعة، والمصدر المؤول سد مسد مفعولي حسبتم.
وَلَمَّا يَأْتِكُمْ
الواو حالية، ﴿لمَّا﴾ حرف نفي وجزم وقلب يفيد استمرار النفي إلى زمن التكلم مع توقع حصول المنفي، ﴿يَأْتِكُمْ﴾ فعل مضارع مجزوم بحذف حرف العلة، والكاف مفعول به.
جملة مفسرة لحالهم ومثلهم، أو بدل اشتمال من ﴿مثل﴾؛ ﴿مَسَّتْهُمُ﴾ فعل ماضٍ ومفعول به، ﴿الْبَأْسَاءُ﴾ فاعل مرفوع، و﴿الضَّرَّاءُ﴾ معطوف عليه.
وَزُلْزِلُوا
الواو عاطفة، فعل ماضٍ مبني لما لم يُسم فاعله، والواو نائب فاعل.
حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ
قرأ الجمهور ﴿يَقُولَ﴾ بنصب اللام بأن مضمرة بعد حتى التي تفيد انتهاء الغاية، وقرأ نافع ﴿يَقُولُ﴾ برفع اللام بجعل حتى ابتدائية وفعل الحال، والمعنى عليها: زلزلوا حتى إن الرسول ليقول؛ أي بلغت الزلزلة حداً قال فيه الرسول والذين آمنوا متى نصر الله.
وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ
معطوف على الرسول.
مَتَى نَصْرُ اللَّهِ
﴿متى﴾ اسم استفهام مبني في محل نصب على الظرفية الزمانية متعلق بمحذوف خبر مقدم، ﴿نَصْرُ﴾ مبتدأ مؤخر، واسم الجلالة مضاف إليه، والجملة مقول القول.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
وجه المناسبة بين الآية وما قبلها:
لما أمر الله المؤمنين بالاستقامة والدخول في السلم كافة وحذرهم من الزلل، وبيّن أن المتقين فوق الكفار يوم القيامة، وأن الله هدى هذه الأمة للحق لما اختلف فيه أهل الكتاب، أراد سبحانه أن يطرد عن نفوسهم التواكل أو التوهم بأن طريق الجنة والنصر محفوف بالراحة والنعيم الدنيوي، فقرر سنة الابتلاء والتمحيص التي لا تتخلف في أمة من الأمم.
التناسب الداخلي وبناء الفاصلة القرآنية:
تصاعد درجات المحنة في النظم البديع: بدأت بالفقر ونقص الأموال ﴿الْبَأْسَاءُ﴾، ثم ترقت إلى المرض والجراح والأوجاع في الأبدان ﴿وَالضَّرَّاءُ﴾، ثم بلغت الذروة بهزة القلوب واضطراب الأركان بالخوف والحروب ﴿وَزُلْزِلُوا﴾، حتى بلغت الحيرة الإنسانية ذروتها بقول الرسول وأتباعه ﴿مَتَى نَصْرُ اللَّهِ﴾.
وجاءت الفاصلة الإلهية الخاطفة: ﴿أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ بأداة الاستفتاح ﴿أَلَا﴾ وحرف التوكيد ﴿إِنَّ﴾ ووصف النصر بالقرب، لتبدد سحب اليأس وتغرس الأمل اليقيني في القلوب المؤمنة بأن مع العسر يسراً، وأن أشد ساعات الليل ظلمة هي الساعة التي تسبق انبلاج الفجر.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
لا يجوز أن يُفهم من قول الرسول ﴿مَتَى نَصْرُ اللَّهِ﴾ أنه صادر عن شك في وعد الله أو قنوط من رحمته؛ فالأنبياء معصومون من الشك والقنوط بإجماع المسلمين.
وإنما صدر هذا القول على سبيل:
الاستنجاز لوعد الله المقطوع به؛ كقول العبد في دعائه: يا رب أنجز ما وعدتني.
استبطاء زمن الفرج تلهفاً على إعزاز الدين وظهوره على الباطل.
الدعاء والتضرع في أقصى لحظات الكرب البشري وإظهار الفاقة والمسكنة التامة لله تعالى؛ فالرسول بشر يعتريه الألم والضيق النفسي عند معاينة شدائد أتباعه، فيفزع إلى ربه مستنصراً.
البعد البياني والبلاغي والإشاري والتدبري
الأسرار البلاغية والبيانية:
التعبير بـ ﴿لَمَّا﴾ الجازمة دون "لم"؛ لأن "لما" تفيد ترقب ونفي استمرار الفعل حتى الحين؛ فالمعنى: ولم يأتكم بعد ما أصابهم، ولكن سيأتيكم من الابتلاء مثل ما أتى الأمم من قبلكم لتمحصوا وتستحقوا الجنة.
الاستعارة في لفظ ﴿زُلْزِلُوا﴾؛ حيث شبه الاضطراب النفسي والخوف المحدق بحركة الزلزال التي تميد بالأرض والجبال، مما يجسد فداحة البلاء وعظم الفتنة.
الإشارات الإيمانية ولطائف التدبر:
قال الإمام ابن القيم في الفوائد (ص٥٧): «الجنة حفت بالمكاره، والنار حفت بالشهوات، وسنة الله في خلقه أن لا يصل أحد إلى كرامته إلا بعد اجتياز جسر المشقة، فإذا استحكم الكرب وفاض الخوف واضطربت النفوس، جاء النصر كفلق الصبح: ﴿أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾».
*الفوائد* (ص٥٧)الفوائدابن القيم٥٧
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الثمرات السلوكية والتطبيق المعاصر:
غرس عقيدة الثبات والصبر في قلوب العاملين للإسلام والدعاة إلى الله أمام عواصف التضييق والاضطهاد والحروب النفسية والجسدية.
اليقين المطلق بأن الابتلاء ليس دليلاً على غضب الله أو خذلانه لعباده المؤمنين، بل هو عنوان الاصطفاء وبوابة التمكين ومقدمة النصر المؤزر.
شهادات الأعلام ورؤى المصلحين:
كتب سيد قطب في في ظلال القرآن (ج١، ص٢٠٩): «إنها التربية الإلهية للجماعة المسلمة... لا بد من البأساء والضراء، لا بد من الزلزلة التي تزلزل الرواسي، حتى تتجرد القلوب من كل اعتماد على قوة أرضية، وتلجأ عارية مخلصة إلى الله وحده... وعندئذٍ، وفي هذه اللحظة التي تستسلم فيها النفس استسلاماً مطلقاً، يجيء النصر: ﴿أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾».