أخرج ابن أبي حاتم في «تفسيره» (الرقم: 2680)مصدر غير محددحديث رقم ٢٦٨٠ وابن مردويه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ يُضَاعَفُ، الْحَسَنَةُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ، قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: إِلَّا الصَّوْمَ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ»، والحديث في «صحيح مسلم» كتاب الصيام (الرقم: 1151)مصدر غير محددحديث رقم ١١٥١.
وأخرج الإمام أحمد في «المسند» (الرقم: 18780)مسند الإمام أحمدأحمد بن حنبلحديث رقم ١٨٧٨٠ وابن حبان في «صحيحه» (الرقم: 4647)مصدر غير محددحديث رقم ٤٦٤٧صحيح بسند صحيح عن خريم بن فاتك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الْأَعْمَالُ سِتَّةٌ، وَالنَّاسُ أَرْبَعَةٌ: فَمُوجِبَتَانِ، وَمِثْلٌ بِمِثْلٍ، وَحَسَنَةٌ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا، وَحَسَنَةٌ بِسَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ... وَأَمَّا الَّتِي بِسَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ فَالنَّفَقَةُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ».
وروى الطبري في «جامع البيان» (5/496)جامع البيانالطبري٥/٤٩٦ عن السدي قال: نزلت هذه الآية في عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف رضي الله عنهما حين جهزا جيش العسرة ونفقا نفقة عظيمة في سبيل الله.
ضبط القراءات والروايات المتواترة:
قوله تعالى: ﴿كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ﴾: أجمع القراء على كسر تاء التأنيث في ﴿أَنْبَتَتْ﴾ لالتقاء الساكنين، وقرأ الجمهور بفتح الحاء وتشديد الباء المنونة بالكسر ﴿حَبَّةٍ﴾.
قوله تعالى: ﴿سَبْعَ سَنَابِلَ﴾: سنابل جمع سنبلة على صيغة منتهى الجموع غير منصرف، وجر بالفتحة نيابة عن الكسرة: ﴿سَبْعَ سَنَابِلَ﴾.
قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يُضَاعِفُ﴾: قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وعاصم وحمزة والكسائي: ﴿يُضَاعِفُ﴾ بألف بعد الضاد وتخفيف العين مكسورة. وقرأ ابن عامر ويعقوب وخلف: ﴿يُضَعِّفُ﴾ بضم الياء وتشديد العين مكسورة وحذف الألف، وكلاهما دال على الكثرة والمبالغة في الإعطاء والجزاء.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
كَمَثَلِ حَبَّةٍ: في الكلام مضاف محذوف تقديره: مثل نفقة الذين ينفقون كمثل بذار حبة، أو جعل المنفقين أنفسهم كالحبة في الزكاء والنماء؛ لأن الحبة إذا بذرت في أرض طيبة أخرجت ساقاً تشعبت منه سبع سنابل، فكل حبة تنبت سبعمائة حبة.
سُنْبُلَةٍ: السنبلة مأخوذة من الأسبال وهو الإرخاء، أو من السَّبَل وهو المطر، والجمع سنابل وسبول، وهي الغلاف الذي يحتوي الحبوب في الزرع.
وَاسِعٌ عَلِيمٌ: «واسع» صفة مشبهة تدل على سعة الفضل والغنى والقدرة والرحمة، فلا تنفد خزائنه بالمضاعفة، «عليم» بنيات المنفقين وبمقادير إنفاقهم وخلوص مقاصدهم لوجهه الكريم.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
مناسبة الآية لما قبلها:
لما أقام الله البراهين القطعية في الآيات السابقة على قدرته على إحياء الأجساد بعد فنائها وتجميع الذرات المتفرقة (قصة نمرود، وقصة عزير، وقصة إبراهيم والطير)، أتبع ذلك ببيان قدرته على إحياء الصدقات ومضاعفتها وتربيتها لأصحابها حتى تكون كالجبال العظيمة؛ فالذي يحيي الحبة الميتة في الأرض الهامدة فيخرج منها سبعمائة حبة، هو القادر على أن يضاعف الدرهم الواحد إلى سبعمائة درهم وما فوق ذلك أضعافاً كثيرة.
روعة التشبيه والتمثيل الحي:
لم يقل القرآن: "مثلهم كمن يعطى سبعمائة ضعف"، بل نقل المعنى التجريدي إلى صورة بصرية محسوسة مشهدية: حبة تُبذر في باطن الأرض فتنشق عنها فروع وسنابل خضراء ممتلئة بالخيرات، لتستقر حقيقة المضاعفة في قلب المؤمن فيرى ثواب صدقته شجرة مثمرة متكاثرة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
شبهة: هل سبعمائة ضعف هي الحد الأقصى للمضاعفة؟:
المحاكمة والتحقيق: قرر علماء التفسير والأصول (كالقرطبي وابن تيمية وابن القيم) أن التنصيص على السبعمائة ليس قيداً ولا حداً أعلى يقف عنده الفضل الإلهي؛ وذلك لقوله تعالى في ختام الآية: ﴿وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾؛ فهذا وعد بمضاعفة تتجاوز السبعمائة إلى ما لا يحصيه إلا الله بحسب إخلاص المنفق، وشدة حاجته، وطيب ماله، ونفع نفقته للمسلمين.
رد دعوى النقص المالي بالإنفاق:
الحساب المادي يرى النفقة نقصاً في الرصيد الظاهر، لكن القرآن يقرر أن الإنفاق استثمار رباني مضاعف قطعي؛ فكما لا ينقص البذر مزارعه بل يعود عليه أضعافاً، فكذلك الصدقة تورث البركة والنماء وتدفع الآفات وتخلف البركات.
الحبة مادة القوت الأساسي لحياة الأبدان، وفيها سر الحياة الكامن في الجماد، فالمنفق يحيي بنفقته نفوس المعوزين ويقيم أودهم، فجوزي بجنس عمله حبة بحبات لا تحصى.
الختم بالاسمين الجليلين ﴿وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾:
لدفع توهم نفاد الخزائن أو نقص العطاء؛ ففضله واسع يسع الخلائق كلها، وعلمه محيط بخلوص النوايا والصدقات فلا يضيع مثقال ذرة.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
استنهاض همم المنفقين في المشاريع العامة:
الآية ترغب المؤمنين في البذل السخي لدعم مصالح الأمة، وتجهيز الجيوش، وبناء المدارس والمستشفيات، وكفالة الأرامل والأيتام، وتجعل المتصدق مستشعراً لعظمة التجارة مع الله الرابحة قطعاً.
استحضار النماء القلبي والبركة:
الصدقة تطهر النفس من دنس الشح والأثرة، وتملأ القلب سعة وسروراً واطمئناناً بوعد الله، فكلما أنفق العبد أحس بتدفق البركة في أهله وماله وذريته.