وقد حرر أئمة التفسير المسند (ابن جرير الطبري في «جامع البيان»، وابن كثير في «تفسير القرآن العظيم»، والبغوي في «معالم التنزيل»):
سبب النزول وتحقيقه الإسنادي:
أخرج البخاري في صحيحه (كتاب التفسير، باب قوله: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾، حديث رقم ٤٥٣٠) ومسلم في صحيحه (كتاب المساجد ومواضع الصلاة، حديث رقم ٥٣٩) من حديث زيد بن أرقم رضي الله عنه قال: كنا نتكلم في الصلاة، يكلّم الرجل صاحبه وهو إلى جنبه في الصلاة حتى نزلت: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾، فأُمرنا بالسكوت ونُهينا عن الكلام.
وروى أحمد في المسند (رقم ١٨٨٤٧) وأبو داود (رقم ٤٠٩)مصدر غير محددحديث رقم ٤٠٩ عن زيد بن ثابت رضي الله عنه قال: كان رسول الله ﷺ يصلي بالهاجرة (صلاة الظهر) بالمدينة، ولم تكن صلاة أشد على أصحاب رسول الله ﷺ منها؛ فنزلت: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾.
الآثار والمرويات التفسيرية المسندة:
تعيين "الصلاة الوسطى" بصلاة العصر: أخرج البخاري في صحيحه (كتاب الجهاد والسير، باب الدعاء على المشركين بالهزيمة، حديث رقم ٢٩٣١) ومسلم في صحيحه (حديث رقم ٦٢٧) من حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه، أن النبي ﷺ قال يوم الأحزاب (يوم الخندق): «شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر، ملأ الله بيوتهم وقبورهم ناراً»، ثم صلاها بين العشاءين.
وأخرج مسلم في صحيحه (حديث رقم ٦٢٩) عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «الصلاة الوسطى صلاة العصر».
التخريج الحديثي وضبط الروايات:
حديث التشديد في تضييع صلاة العصر: أخرجه البخاري في صحيحه (حديث رقم ٥٥٢) ومسلم في صحيحه (حديث رقم ٦٢٦) من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، أن رسول الله ﷺ قال: «الذي تفوته صلاة العصر كأنما وُتِرَ أهله وماله» (أي سُلب أهله وماله فبقي فريداً مسلوباً)، وأخرج البخاري (حديث رقم ٥٥٣)مصدر غير محددحديث رقم ٥٥٣ عن بريدة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «من ترك صلاة العصر فقد حَبِطَ عمله».
*صحيحه* (كتاب التفسير، باب قوله: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾، حديث رقم ٤٥٣٠)مصدر غير محددحديث رقم ٤٥٣٠*صحيحه* (كتاب الجهاد والسير، باب الدعاء على المشركين بالهزيمة، حديث رقم ٢٩٣١)مصدر غير محددحديث رقم ٢٩٣١*صحيحه* (كتاب المساجد ومواضع الصلاة، حديث رقم ٥٣٩)مصدر غير محددحديث رقم ٥٣٩*صحيحه* (حديث رقم ٦٢٧)مصدر غير محددحديث رقم ٦٢٧*صحيحه* (حديث رقم ٦٢٩)مصدر غير محددحديث رقم ٦٢٩*صحيحه* (حديث رقم ٥٥٢)مصدر غير محددحديث رقم ٥٥٢*صحيحه* (حديث رقم ٦٢٦)مصدر غير محددحديث رقم ٦٢٦*المسند* (رقم ١٨٨٤٧)مسند الإمام أحمدأحمد بن حنبلحديث رقم ١٨٨٤٧
﴿الصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾: تأنيث الأوسط، والوسط في كلام العرب: الخيار والأفضل والأعدل، ومنه قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾؛ وتأتي الوسطى أيضاً بمعنى التي تتوسط بين صلاتين أو طرفين، وصلاة العصر تتوسط صلاتي النهار (الظهر) وصلاتي الليل (المغرب والعشاء).
﴿قَانِتِينَ﴾: القنوت في لسان العرب يطلق على معانٍ: السكوت وترك الكلام، والخشوع والتواضع، وطول القيام في الصلاة، ودوام الطاعة ولزوم العبادة؛ وكلها مرادة ها هنا.
الإعراب وتوجيه القراءات المتواترة:
﴿حَافِظُوا﴾: فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعل.
﴿عَلَى الصَّلَوَاتِ﴾: جار ومجرور متعلق بحافظوا.
﴿وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾: الواو عاطفة، ﴿الصلاة﴾ معطوف على الصلوات مجرور بالكسرة (وهو من باب عطف الخاص على العام لبيان شرفه وعظم منزلته)، و﴿الْوُسْطَى﴾ نعت مجرور بالكسرة المقدرة للتعذر.
وقرأت عائشة وحفصة وابن عباس في مصاحفهم على وجه التفسير: ﴿وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى صَلَاةِ الْعَصْرِ﴾.
﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾: الواو عاطفة، ﴿قوموا﴾ فعل أمر وفاعل، ﴿لله﴾ متعلق بقوموا أو بقانتين لإفادة الإخلاص، ﴿قَانِتِينَ﴾ حال منصوبة بالياء من الواو في قوموا.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
وجه المناسبة بين الآية وما قبلها وما بعدها:
اعتراض بياني وتشريعي معجز في غاية اللطافة والدقة؛ جاء هذا الأمر بالمحافظة على الصلاة والخشوع في قلب آيات الطلاق والعدد والرضاع والنزاعات الأسرية! وفائدة هذا التوسط الإعجازي:
تذكير المؤمنين بأن تنظيم العلاقات الأسرية ومجاهدة الأهواء عند الفراق لا يقوم إلا على حراسة الصلة بالله وإقام الصلاة؛ فالصلاة هي المعين الأكبر على كبح جماح الغضب والظلم: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾.
صيانة المسلم من أن يستغرقه النزاع الدنيوي وشؤون الزوجية والأولاد عن ذكر الله وعمود الدين؛ فالصلاة هي الميزان الذي يضبط حركة الحياة كلها.
التناسب الداخلي وبناء الفاصلة القرآنية:
التدرج من الأمر بالمحافظة العامة على سائر الفرائض ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ﴾، إلى تخصيص الصلاة الأشد مشقة ووقتاً في زحمة الأعمال (العصر) ﴿وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾، ثم التوجيه إلى روح الصلاة ولبها وهو الخشوع والسكوت والإخبات ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
تحقيق مسألة "الصلاة الوسطى" ودحض الأقوال المرجوحة:
اختلف السلف في الصلاة الوسطى على أقوال، وأهمها قولان:
أنها صلاة العصر: وهو مذهب جماهير الصحابة (علي وابن مسعود وابن عباس وأبو هريرة وأم سلمة وحفصة) وأئمة الحديث والفقهاء (أحمد وأبو حنيفة والشافعي في رواية اختيار المحققين من أصحابه كالنووي وابن كثير). وهو القول الصواب المقطوع به لنص النبي ﷺ الصريح يوم الأحزاب: «شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر».
أنها صلاة الصبح (الفجر): وهو مذهب مالك والشافعي في القديم؛ استدلالاً بكونها بين ظلمة الليل ونور النهار، ولما فيها من القنوت وطول القيام ومشقة الاستيقاظ من النوم.
والجمع التحقيقي: أن صلاة الفجر لها فضل مشهود وقرآنها مشهود، ولكن نص السنة النبوية الصحيحة الصريحة المتواترة حسم النزاع في أن "الصلاة الوسطى" هي صلاة العصر بلا تردد.
حرمة الكلام في الصلاة ونسخ الإباحة السابقة:
تقرر الآية أصلاً إجماعياً في بطلان الصلاة بالكلام العمد لغير مصلحتها بنص حديث زيد بن أرقم: «فأمرنا بالسكوت ونهينا عن الكلام»، مما يقطع بأن الصلاة محراب تجرد وتعبد خالص لله لا يجوز أن يداخله كلام الآدميين.
البعد البياني والبلاغي والإشاري والتدبري
الأسرار البلاغية والبيانية:
عطف الخاص على العام في قوله ﴿وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ للتنويه بفضلها والتنبيه على خطورة تضييعها لموافقتها وقت تعب الأبدان وانشغال التجار بتجارتهم ومآب الناس من أعمالهم.
إيثار لفظ ﴿لِلَّهِ﴾ وتقديمه على الحال ﴿قَانِتِينَ﴾؛ لإبراز التوجه القلبي المحض لله وتجريد القصد من الرياء والالتفات.
الإشارات الإيمانية ولطائف التدبر:
قال الإمام ابن القيم في مدارج السالكين (ج١، ص٣٥٥): «إذا أراد العبد أن يعرف مقامه عند الله فلينظر إلى مقامه في الصلاة؛ فقنوت الصلاة وحضور القلب فيها هو حياة الروح، ومن حافظ على صلواته حفظه الله من نوازع الظلم والغي عند الخصومات وفي البيوت».
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الثمرات السلوكية والتطبيق المعاصر:
العناية القصوى بأداء الصلاة في مواقيتها جماعة في المساجد، واليقظة التامة لأداء صلاة العصر وعدم تأخيرها إلى اصفرار الشمس.
تحقيق الخشوع والأدب التام في الصلاة بترك الالتفات الحسي والمعنوي، والفرار من صخب الحياة إلى رحاب السكينة الإلهية.
شهادات الأعلام ورؤى المصلحين:
كتب سيد قطب في الظلال (ج١، ص٢٤٥): «هذا الاعتراض العجيب في سياق أحكام الأسرة والطلاق ليس فاصلاً أجنبياً، بل هو محور المنظومة كلها؛ فالقلب الذي لا يخشع لله في صلاته لا يرجى منه أن يقيم حدود الله مع أهله وزوجته ومجتمعه؛ فالصلاة هي الزاد المعين على تكاليف الحياة ومشاق الاستقامة».
الدلائل والإشارات:
فرضية المحافظة على الصلوات الخمس في أوقاتها المحددة: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ﴾.
تأكيد فضل صلاة العصر وتخصيصها بالرعاية كصلاة وسطى: ﴿وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾.
وجوب الخشوع وطول الطاعة والسكوت في الصلاة وتحريم كلام الآدميين: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾.
إبراز مركزية الصلاة في ضبط أخلاق المسلم وحمايته من التعدي والظلم في العلاقات الأسرية.