وقد حرر أئمة التفسير المسند (ابن جرير الطبري في «جامع البيان»، وابن كثير في «تفسير القرآن العظيم»، والبغوي في «معالم التنزيل»):
أسباب النزول وفضائل خواتيم سورة البقرة:
أخرج البخاري في «صحيحه» كتاب فضائل القرآن (الرقم: 5009)مصدر غير محددحديث رقم ٥٠٠٩ ومسلم (الرقم: 808)مصدر غير محددحديث رقم ٨٠٨ عن أبي مسعود الأنصاري البدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ قَرَأَ بِالْآيَتَيْنِ مِنْ آخِرِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ فِي لَيْلَةٍ كَفَتَاهُ». ومعنى كفتاه: كفتاه من قيام الليل، أو كفتاه من كل سوء وشيطان ومكروه.
وأخرج مسلم في «صحيحه» كتاب الإيمان (الرقم: 173)مصدر غير محددحديث رقم ١٧٣ والترمذي (الرقم: 3277)مصدر غير محددحديث رقم ٣٢٧٧ عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه في حديث الإسراء والمعراج: «أُعْطِيَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ثَلَاثًا: أُعْطِيَ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ، وَأُعْطِيَ خَوَاتِيمَ سُورَةِ الْبَقَرَةِ، وَغُفِرَ لِمَنْ لَمْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ مِنْ أُمَّتِهِ شَيْئًا الْمُقْحِمَاتُ».
وروى مسلم (الرقم: 806)مصدر غير محددحديث رقم ٨٠٦ والنسائي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: بينما جبريل قاعد عند النبي صلى الله عليه وسلم سمع نقيضاً من فوقه، فرفع رأسه فقال: «هَذَا بَابٌ مِنَ السَّمَاءِ فُتِحَ الْيَوْمَ لَمْ يُفْتَحْ قَطُّ إِلَّا الْيَوْمَ، فَنَزَلَ مِنْهُ مَلَكٌ فَقَالَ: هَذَا مَلَكٌ نَزَلَ إِلَى الْأَرْضِ لَمْ يَنْزِلْ قَطُّ إِلَّا الْيَوْمَ، فَسَلَّمَ وَقَالَ: أَبْشِرْ بِنُورَيْنِ أُوتِيتَهُمَا لَمْ يُؤْتَهُمَا نَبِيٌّ قَبْلَكَ: فَاتِحَةِ الْكِتَابِ، وَخَوَاتِيمِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ، لَنْ تَقْرَأَ بِحَرْفٍ مِنْهُمَا إِلَّا أُعْطِيتَهُ».
ضبط القراءات والروايات المتواترة:
قوله تعالى: ﴿وَكُتُبِهِ﴾: قرأ الجمهور ﴿وَكُتُبِهِ﴾ بضم الكاف والتاء على الجمع، وقرأ حمزة والكسائي وخلف بإسكان التاء وبضم الكاف وألف بعدها مكسورة موحدة: ﴿وَكِتَابِهِ﴾ على إرادة الجنس المستوعب المحيط لكل كتاب أنزله الله.
قوله تعالى: ﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ﴾: قرأ الجمهور بالنون: ﴿لَا نُفَرِّقُ﴾ على إضمار القول؛ أي يقولون: لا نفرق، وقرأ يعقوب بالياء: ﴿لَا يُفَرِّقُ﴾ جرياً على لفظ «كل» في قوله ﴿كُلٌّ آمَنَ﴾.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
آمَنَ الرَّسُولُ: تصدير الجملة بفعل الإيمان مسنداً إلى الرسول محمد صلى الله عليه وسلم تشريف عظيم لمقامه، وإقرار بأنه أول المؤمنين وأكملهم إيماناً وتصديقاً وانقياداً.
لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ: التفريق المذموم هو الإيمان ببعض الرسل والكفر ببعضهم كما فعل اليهود والنصارى، أما أهل الإسلام فيؤمنون بجميع أنبياء الله ورسله من آدم إلى محمد صلى الله عليه وسلم دون تمييز في أصل النبوة.
سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا: السمع هنا سمع قبول وإذعان لا مجرد إدراك الأصوات، والإطاعة هي الانقياد العملي بالامتثال للأوامر واجتناب النواهي.
غُفْرَانَكَ: مفعول مطلق لفعل محذوف تقديره: نسألك غفرانك، والغفران ستر الذنب وإسقاط العقوبة والوقاية من شره.
الْمَصِيرُ: المرجع والمنقلب الحتمي يوم القيامة للحساب والجزاء.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
خلاصة العقيدة الإسلامية الكلية:
جمعت الآية أركان الإيمان الستة الكبرى: الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر (المصير)، والتسليم لقدر الله وشرعه.
التناسب بين أول سورة البقرة وآخرها (حسن المطلع والمقطع):
واختتمت السورة في الآية (285) بتقرير إيمان الرسول والمؤمنين بالله وملائكته وكتبه ورسله وقولهم سمعنا وأطعنا وإليك المصير؛ ليتعانق المطلع مع المقطع في أبدع وحدة بنائية تدل على مصدر الوحي الإلهي المعجز.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة النهي عن التفريق بين الرسل مع ثبوت تفضيل بعضهم:
ورد في الآية ﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾، بينما ورد في الآية (253) من نفس السورة: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ فكيف الجمع؟
المحاكمة العقلية والأصولية الصافية:
نفي التفريق في الآية (285) هو في «أصل الإيمان والنبوة والرسالة»؛ فلا يجوز للمسلم أن يؤمن بموسى ويكفر بعيسى، أو يؤمن بعيسى ويكفر بمحمد، بل يجب الإيمان بنبوتهم جميعاً وبأنهم رسل صادقون من عند الله.
إثبات التفضيل في الآية (253) هو في «مراتب الفضل والدرجات والخصائص الإلهية»؛ ككلام الله لموسى، ورفع إدريس، وخُلَّة إبراهيم، ومقام المحمودية والشفاعة العظمى والرسالة العامة لخاتمهم محمد صلى الله عليه وسلم، وهذا تفضيل إلهي ثابت بالنص لا ينافي وجوب الإيمان بهم جميعاً.
تولى الله بنفسه تزكية رسوله والمؤمنين والشهادة لهم بالإيمان والانقياد؛ فكانت أعظم وثيقة شرف وتخليد لإيمان الصحابة الكرام الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه.
اقتران إعلان الطاعة بطلب المغفرة ﴿سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا﴾:
أدب نبوي رفيع؛ فالمؤمن مهما بلغ في الطاعة والانقياد لا يرى نفسه مستغنياً أو مدلاً بعمله على ربه، بل يشعر بالتقصير في جنب الله فيعقب طاعته بالاستغفار وطلب العفو.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
المداومة على قراءة هاتين الآيتين في كل ليلة:
سنة نبوية مؤكدة لحفظ النفس والبيت من وساوس الشيطان ومصائب الليل؛ فينبغي للمسلم أن يجعلهما ورده الثابت قبل منامه.
شعار الاستجابة والانقياد «سمعنا وأطعنا»:
هذا هو الفارق الجوهري بين المؤمنين وأهل الكتاب؛ فأهل الكتاب قالوا سمعنا وعصينا فلعنوا، والمؤمنون قالوا سمعنا وأطعنا فبوركوا ورُحموا.