أخرج النسائي في «السنن الكبرى» (الرقم: 5000)مصدر غير محددحديث رقم ٥٠٠٠ وابن ماجه (الرقم: 2208)مصدر غير محددحديث رقم ٢٢٠٨ والحاكم في «المستدرك» (2/289)المستدرك على الصحيحينالحاكم النيسابوري٢/٢٨٩ وصححه ووافقه الذهبي عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ثَلَاثَةٌ لَا يَنْظُرُ اللَّهُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: الْعَاقُّ لِوَالِدَيْهِ، وَمُدْمِنُ الْخَمْرِ، وَالْمَنَّانُ بِمَا أَعْطَى».
وروى ابن جرير الطبري (5/512)مصدر غير محدد٥/٥١٢ عن أبي ذر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ»، فقرأها رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث مرات، قال أبو ذر: خابوا وخسروا! من هم يا رسول الله؟ قال: «الْمُسْبِلُ، وَالْمَنَّانُ، وَالْمُنَفِّقُ سِلْعَتَهُ بِالْحَلِفِ الْكَاذِبِ» (رواه مسلم في كتاب الإيمان، الرقم: 106)مصدر غير محددحديث رقم ١٠٦.
قوله تعالى: ﴿وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾: قرأ الجمهور بالرفع والتنوين، وقرأ الزهري ويعقوب في رواية بفتح الفاء بلا تنوين، وبإسكان الياء في ﴿عَلَيْهِمْ﴾ وصلاً وقفاً لورش وحفص، وبضم الهاء لحمزة ويعقوب.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ: استعمال حرف التراخي «ثم» هنا له دلالة دقيقة؛ فالمعنى: أنهم لا يمُنُّون بعد الإنفاق ولو تراخى الزمان وتطاولت السنون؛ إذ ربما ينفق المرء مخلصاً ثم يحدث بينه وبين الآخذ خلاف بعد سنين فيمنّ عليه بنفقته السالفة، فجاءت «ثم» لتفيد دوام النزاهة واستمرار التجرد من المن والأذى عبر الزمان كله.
مَنًّا: المَنّ هو تعداد الصدقة والإنعام على الآخذ وإظهار التفضل عليه حتى يرى المتصدق نفسه كاسياً والآخذ عارياً، كأن يقول له: ألم أعطك؟ ألم أحسن إليك في وقت كذا؟
أَذًى: الأذى هو كل ما يسوء الآخذ أو يجرح مشاعره أو يحط من كرامته بالقول أو بالفعل، كإذلاله، أو التطاول عليه، أو فضيحة أمره أمام الناس، أو تكليفه بخدمات شاقة جزاء ما أعطي.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
شرط استحقاق الثواب الموعود:
لما رغب الله في الإنفاق ووعد بالمضاعفة في الآية السابقة (261)، قيد هذا الوعد بشرطين أصيلين:
أن يكون الإنفاق خالصاً لوجه الله (في سبيل الله).
سلامة العطاء من شوائب الرياء والاعتداء المعنوي (ثم لا يتبعون ما أنفقوا مناً ولا أذى).
تكرار نفي الخوف والحزن:
قوله: ﴿وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ تقرير للأمن الروحي التام؛ فلا يخافون من أهوال المستقبل ومآلات القيامة، ولا يحزنون على ما فاتهم من دنياهم؛ لأن أجرهم موفور ومضمون عند رب كريم.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة: لماذا كان المن والأذى محبطاً للأجر إلى هذه الدرجة؟:
المحاكمة الأخلاقية والعقلية: المن يقلب العبادة من تجارة مع الله إلى إذلال لعباد الله؛ فالمال مال الله، والمنفق وكيل ومستخلف، وإذا منَّ على الفقير فقد ادعى استحقاق الفضل المستقل واستعلى بنعمة الله على خلقه، وكسر قلب أخيه المسلم، فجمع بين الشرك الخفي (ابتغاء الحمد والاستعلاء) وظلم الضعفاء، فاستحق إحباط العمل وبطلان الثواب.
قدم «المَنّ» على «الأذى»؛ لأن المن في النفس واللسان وهو أول دوافع الأذى، ثم يثمر الأذى الفعلي؛ فكل منّ أذى، ولكن الأذى أعم وأشمل، فعطف العام على الخاص لاستيعاب كل صور الإساءة.
إضافة الأجر إلى الرب ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾:
تشريف للمنفقين وإشعار بحفظ جزائهم عند من لا يضيع أجر المحسنين، مع صفة الربوبية التي تفيض بالتربية والرعاية والإحسان.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
حفظ كرامة الفقراء والمتعففين:
توجيه رباني حاسم لحماية عزة نفس المحتاجين؛ فينبغي للمعطي أن يرى الفضل للفقير الذي قبل صدقته ونقلها له إلى رصيد الآخرة، وأن يدفع الصدقة بيد خافضة وأدب جم وتواضع تام.
تطهير العمل الصالح من المنغصات:
التحذير من تذكر الصنائع القديمة عند وقوع الخصومات؛ فالمؤمن الصادق إذا أسدى معروفاً نسيه تماماً وجعله في ديوان السر الإلهي.