أخرج النسائي في «السنن الكبرى» (الرقم: 11024)مصدر غير محددحديث رقم ١١٠٢٤ وابن أبي حاتم في «تفسيره» (الرقم: 2785)مصدر غير محددحديث رقم ٢٧٨٥ والحاكم في «المستدرك» (2/285)المستدرك على الصحيحينالحاكم النيسابوري٢/٢٨٥ وصححه ووافقه الذهبي، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «كَانُوا يَكْرَهُونَ أَنْ يَرْضَخُوا لِأَنْسَابِهِمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ حَتَّى نَزَلَتْ: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ﴾، فَرَخَّصَ لَهُمْ فِي الصَّدَقَةِ عَلَيْهِمْ».
وأخرج ابن جرير في «تفسيره» (5/592)مصدر غير محدد٥/٥٩٢ عن سعيد بن جبير قال: كان المسلمون يتصدقون على فقراء أهل الذمة ومشركي مكة، فلما كثر المسلمون قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لَا تَتَصَدَّقُوا إِلَّا عَلَى أَهْلِ دِينِكُمْ»، فنزلت هذه الآية تأمر بالصدقة على كل محتاج صلة للرحم ورحمة بالإنسانية.
قوله تعالى: ﴿فَلِأَنْفُسِكُمْ﴾: إمالة فتحة الهمزة واللام عند الكسائي، وتحقيق الفتح عند الجمهور.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ: الهدى هنا هدى التوفيق والإلهام، ونفيه عن النبي صلى الله عليه وسلم لبيان أن مهمته هي البلاغ والدلالة فقط، أما خلق الهداية في القلوب فمفوض إلى مشيئة الله وحده.
مِنْ خَيْرٍ: الخير هنا هو المال الحلال، وسماه خيراً ترغيباً فيه وتذكيراً بأنه نعمة يستعان بها على طاعة الله.
يُوَفَّ إِلَيْكُمْ: التوفية هي إعطاء الحق كاملاً تاماً وافياً بلا بخس ولا نقص يوم القيامة، كما قال تعالى: ﴿وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ﴾.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
إطلاق يد الإحسان الإنساني وتجريد نية الصدقة:
حرر القرآن الصدقة الإنسانية من قيود التعصب والمنع؛ فالمسلم ينفق ابتغاء مرضاة الله ورعاية لفقر المحتاجين ولو كانوا من غير أهل الملة (في صدقة التطوع)، ماداموا غير محاربين، فثواب المنفق محفوظ عند ربه كاملاً لا ينقصه كفر الآخذ أو ضلاله.
تكرار جملة ﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ﴾ مرتين:
التكرار في الآية لتقرير قاعدتين عظيمتين:
القاعدة الأولى: عائدية النفع الذاتي للمنفق: ﴿فَلِأَنْفُسِكُمْ﴾؛ فالمنفق هو المستفيد الأول نماءً وطهارة في الدنيا وثواباً في الآخرة.
القاعدة الثانية: ضمان الأجر التام دون أدنى بخس: ﴿يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ﴾.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة التصدق على غير المسلمين وحكم الزكاة:
التحقيق الفقهي عند المذاهب الأربعة:
زكاة الفريضة: أجمع أئمة الإسلام على أنها لا تدفع لكافر حربي ولا ذمي (إلا للمؤلفة قلوبهم بنص القرآن في سورة التوبة).
الحصر والتوكيد في ﴿وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ﴾:
أسلوب قصر يفيد حصر غاية المؤمنين في نيل رضوان الله، وهو في الوقت نفسه خبر يتضمن الأمر والإلزام بالإخلاص التام والتجرد عن أي غرض دنيوي.
الختام بـ ﴿وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ﴾:
جملة حالية مؤكدة لتوفية الجزاء؛ فلا ينقص من أجر حسناتكم مثقال حبة، ولا يزاد في سيئاتكم شيء.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
البعد الإنساني الراقي للإسلام في رعاية المحتاجين:
تؤصل الآية لرحمة الإسلام العالمية؛ فالمسلم يرحم الضعيف، ويطعم الجائع، ويداوي المريض من بني الإنسان كافة ما لم يكن محارباً معتدياً، ويكون ذلك الإحسان بحد ذاته أعظم وسيلة لدعوتهم إلى الإسلام وتأليف قلوبهم.
التحرر من المن والأثرة:
حين يستشعر المتصدق أن صدقته عائدة في الحقيقة إلى نفسه وخاصته في ديوان الآخرة، يزول من قلبه أي هاجس للمن على الفقير؛ لأنه محسن إلى نفسه أولاً وقبل كل شيء.