يقيم الله تعالى في هذه الآية الكونية الكبرى البرهان المشاهد الساطع والأدلة الكونية الثمانية القاطعة على كمال وحدانيته وعظيم ربوبيته وشمول قدرته ورحمته؛ ففي إيجاد وإبداع السموات في علوها وسعتها وكواكبها، والأرض في كثافتها واستقرارها وفجاجها، وفي تعاقب الليل والنهار بالظلمة والضياء، والطول والقصر، والحر والبرد على نظام دقيق مقدر، وفي السفن والمراكب التي تمخر عباب البحار حاملة أقوات الناس ومتاجرهم ومنافعهم مسخرة بقوانين الطفو والرياح، وفي الغيث والمطر الذي ينزله الله من السحاب فيحيي به التربة الجدباء الميتة بالإنبات والزروع بعد يبسها، وفي تكاثر ونشر سائر أنواع الدواب والحيوانات على وجه الأرض، وفي تقليب وتصريف الرياح في مهابها ولواقحها وتنوع طبائعها، وفي السحاب المذلل المسخر بين السماء والأرض يحمل أطنان المياه بأمر بارئه؛ إن في كل هذه المشاهد والنواميس المتقنة لدلائل وبراهين باهرة تنطق بصدق التوحيد وعظمة الخالق، لقوم يعملون عقولهم ويتدبرون بالبصيرة النافذة في ملكوت الله.