هذه الآية الكريمة تعقيب رباني مهيب على القصص الماضية والتشريعات السابقة؛ تُعلن صدق نبوة النبي محمد ﷺ؛ إذ يخبر بهذه التفاصيل التاريخية الدقيقة الغائبة عن أهل مكة وعن أمة أمية، متطابقة مع ما في بطون الكتب القديمة بعد تصحيح تحريفاتها، فكان ذلك برهاناً ساطعاً على أنه وحي من عند الله.
أخرج ابن جرير الطبري في جامع البيان عن قتادة قال: «هذه آيات الله وأخباره عن الأمم السابقة تلاها الله على نبيه محمد ﷺ بالحق والصدق واليقين، شهادة له بالرسالة وبرهاناً على صدقه».
الآثار والمرويات التفسيرية المسندة:
أخرج البخاري في صحيحه (كتاب فضائل القرآن، باب كيف نزل الوحي، حديث رقم ٤٩٨١) ومسلم في صحيحه (حديث رقم ١٥٢) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله ﷺ قال: «ما من الأنبياء نبي إلا أُعطي من الآيات ما مِثْلُه آمنَ عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيتُهُ وحياً أوحاه الله إليّ، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعاً يوم القيامة».
التخريج الحديثي وضبط الروايات:
أخرج أحمد في المسند (رقم ٢٢٨٧) والترمذي وحسنه، عن ابن عباس رضي الله عنهما في بيان دلالة إخبار النبي ﷺ بقصص الأنبياء السابقين كداود وطالوت وموسى من غير قراءة في كتبهم ولا مجالسة لعلمائهم، وأنه من أعظم دلائل نبوته الخاتمة.
*صحيحه* (كتاب فضائل القرآن، باب كيف نزل الوحي، حديث رقم ٤٩٨١)مصدر غير محددحديث رقم ٤٩٨١*صحيحه* (حديث رقم ١٥٢)مصدر غير محددحديث رقم ١٥٢*المسند* (رقم ٢٢٨٧)مسند الإمام أحمدأحمد بن حنبلحديث رقم ٢٢٨٧
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
تِلْكَ
اسم إشارة للمؤنث للبعيد؛ والمشار إليه الآيات والقصص والعبر والتشريعات السابقة؛ والبعد لبعد منزلتها ورفعة شأنها.
نَتْلُوهَا
التلاوة: القراءة المتتابعة المنظمة؛ وتلاوة الله لآياته على نبيه: إنزالها إليه بواسطة جبريل عليه السلام ترتيلاً وحفظاً.
بِالْحَقِّ
الباء للملابسة والمصاحبة؛ والحق: الصدق في الأخبار، والعدل في الأحكام، والكمال في النظم والمعنى.
لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ
اللام هي اللام المزحلقة تفيد توكيد الرسالة والاصطفاء النبوي.
تِلْكَ
اسم إشارة مبني في محل رفع مبتدأ.
آيَاتُ اللَّهِ
﴿آيات﴾ بدل أو عطف بيان من اسم الإشارة أو خبر المبتدأ، واسم الجلالة مضاف إليه.
نَتْلُوهَا عَلَيْكَ
﴿نتلوها﴾ فعل مضارع مرفوع بالضمة المقدرة، والفاعل مستتر تقديره نحن (للتعظيم)، والهاء مفعول به، ﴿عليك﴾ متعلق بنتلوها، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ تلك (إذا أعربت آيات بدلاً) أو حال من آيات الله.
بِالْحَقِّ
جار ومجرور في محل نصب حال من ضمير المفعول في نتلوها، أو متعلق بنتلوها.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
وجه المناسبة بين الآية وما قبلها:
بعد أن استعرضت السورة الكريمة رحلة التدافع العظيمة من قصة البقرة إلى قصص بني إسرائيل وموسى والألوف وطالوت وجالوت وداود، خُتم هذا السفر القصصي الباهر بهذا التوقيع الإلهي الخاتم: ﴿تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾؛ شهادة من رب العالمين بصدق نبوة محمد ﷺ وإعجاز كتابه.
التناسب الداخلي وبناء الفاصلة القرآنية:
الجمع بين تلاوة الوحي بالحق: ﴿نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ﴾، وبين تأكيد مقام الرسالة: ﴿وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾؛ فالكتاب المعجز هو البرهان الحي على صدق الرسول، والرسول هو المبلغ الأمين للكتاب.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
إعجاز الأخبار الغيبية التاريخية كدليل على النبوة:
تضع الآية دليلاً عقلياً قاطعاً لا يمكن رده؛ فالنبي محمد ﷺ نشأ في بيئة أمية بمكة لا تعرف التوراة ولا تقرأ الأسفار، ولم يخالط أحبار اليهود ولا رهبان النصارى؛ فمجيئه بهذه القصص الدقيقة المطابقة للحق المنزه عن الأساطير والتحريف، برهان رياضي حاسم على أن هذا الكلام تنزيل من لدن حكيم خبير أوحاه إليه: ﴿وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾.
البعد البياني والبلاغي والإشاري والتدبري
الأسرار البلاغية والبيانية:
إسناد التلاوة إلى نون العظمة ﴿نَتْلُوهَا﴾ لإضفاء المهابة والجلال على القرآن الكريم، وتكريم النبي ﷺ بمخاطبته مباشرة بالكاف ﴿عَلَيْكَ﴾.
التوكيدات البلاغية المتتابعة في ﴿وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾: (إنَّ، واللام المزحلقة، والجملة الاسمية، والتعبير باسم المفعول "المرسلين") لدحض كل شك وشبهة يثيرها المشركون واليهود.
الإشارات الإيمانية ولطائف التدبر:
قال الإمام ابن كثير في تفسيره (ج١، ص٦٣٤): «هذه الآيات التي قصصناها عليك من أمر الذين خرجوا من ديارهم، وأمر طالوت وجالوت، آيات وحجج وبراهين حق نزل بها الروح الأمين على قلبك، لتكون برهاناً ساطعاً على صدق نبوتك ورسالتك إلى الخلائق أجمعين».
*تفسيره* (ج١، ص٦٣٤)مصدر غير محدد١/٦٣٤
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الثمرات السلوكية والتطبيق المعاصر:
ترسيخ اليقين المطلق بصدق القرآن الكريم وأخباره وأحكامه، وعصمة النبي محمد ﷺ.
الثبات على نهج الرسالة الخاتمة والدعوة إليها بالبصيرة والحكمة والبرهان.
شهادات الأعلام ورؤى المصلحين:
كتب سيد قطب في الظلال (ج١، ص٢٦٦): «إنها الخاتمة المطمئنة الحاسمة لهذا الشوط الطويل... تلك الآيات التي تتنزل بالحق لترسم معالم الإيمان، وتلك الشهادة الإلهية العليا الصادقة: ﴿وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾؛ شهادة تملأ القلب ثقة، وتمنح النفس يقيناً، وتدفع بالأمة إلى الأمام في ركب المرسلين».
الدلائل والإشارات:
تقرير أن قصص القرآن وأخباره التاريخية وحي إلهي متلبس بالحق واليقين: ﴿تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ﴾.
الشهادة الإلهية الصريحة المؤكدة برسالة النبي محمد ﷺ: ﴿وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾.
التقعيد بأن الوحي المعصوم هو المصدر اليقيني لمعرفة حقائق التاريخ ومقاصد الأمم السابقة.