وقد حرر أئمة التفسير المسند (ابن جرير الطبري في «جامع البيان»، وابن كثير في «تفسير القرآن العظيم»، والبغوي في «معالم التنزيل»):
سبب النزول وتحقيقه الإسنادي:
أخرج البخاري في صحيحه (كتاب التفسير، باب قوله: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾، حديث رقم ٤٥٢٨)، ومسلم في صحيحه (كتاب النكاح، باب جواز جماعه امرأته من قُبلها في قُبلها من ورائها، حديث رقم ١٤٣٥) من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: كانت اليهود تقول: إذا جامعها من ورائها (أي في القبل من جهة الظهر) جاء الولد أحول! فنزلت: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾، إن شاء مجبية وإن شاء غير مجبية، غير أن ذلك في صمام واحد (أي الفرج).
الآثار والمرويات التفسيرية المسندة:
أخرج الإمام أحمد في المسند (رقم ٢١٥٢)، والترمذي (رقم ٢٩٨٠)مصدر غير محددحديث رقم ٢٩٨٠ وصححه، والنسائي في عشرة النساء عن ابن عباس رضي الله عنهما، أن النبي ﷺ قال: «مقبلة ومدبرة، إذا كان ذلك في الفرج».
وروى أحمد (رقم ١٠٢٢٤)مصدر غير محددحديث رقم ١٠٢٢٤، وأبو داود (رقم ٢١٦٢)مصدر غير محددحديث رقم ٢١٦٢ عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي ﷺ قال: «ملعون من أتى امرأته في دبرها».
التخريج الحديثي وضبط الروايات:
حديث تحريم إتيان النساء في الأدبار: أخرجه أحمد (رقم ١١٥٩٩)مصدر غير محددحديث رقم ١١٥٩٩، والترمذي (رقم ١١٦٤)مصدر غير محددحديث رقم ١١٦٤ وحسنه، عن علي بن طلق رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «لا تأتوا النساء في أعجازهن، فإن الله لا يستحيي من الحق». وروي نحوه عن خزيمة بن ثابت وجندب وابن مسعود وأبي الدرداء بأسانيد ثابتة تدل على القطع بتحريم الوطء في الدبر.
*المسند* (رقم ٢١٥٢)مسند الإمام أحمدأحمد بن حنبلحديث رقم ٢١٥٢
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
حَرْثٌ
الحرث في الأصل: شق الأرض وإلقاء البذر فيها لإنبات الزرع والثمار؛ واستعير هنا للنساء لأن أرحامهن بمنزلة الأرض والنطفة كالبذر والولد كالنبات، كما قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا﴾.
أَنَّى
اسم شرط أو استفهام يأتي بمعنى (كيف) وبمعنى (أين ومن أين) وبمعنى (متى)؛ والمراد هنا: كيف شئتم وعلى أي هيئة وأسلوب أحببتم، مقبلة ومدبرة ومضطجعة وقائمة، شريطة أن يكون الإيقاع في منبت الزرع وهو القبل.
وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ
التقديم: ادخار الأعمال الصالحة ليوم القيامة؛ ومنه التسمية عند الجماع والدعاء بصلاح الذرية.
أوامر متتابعة بالتقوى وتذكر الحساب والملاقاة؛ والمصدر المؤول من أن واسمها وخبرها سد مسد مفعولي اعلموا.
وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ
معطوف؛ فعل أمر موجه للنبي ﷺ، والمؤمنين مفعول به منصوب بالياء.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
وجه المناسبة بين الآية وما قبلها:
لما أمر الله باعتزال النساء في المحيض، ثم قال: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾، جاءت هذه الآية مبيِّنة وموضحة لكيفية هذا الإتيان وموضعه؛ رداً على أوهام اليهود وخرافاتهم، وتأكيداً على أن الاستمتاع مباح بكل الوجوه والأشكال الفطرية شريطة أن يكون في موضع الحرث وهو الفرج.
التناسب الداخلي وبناء الفاصلة القرآنية:
التشبيه الإعجازي بـ ﴿حَرْثٌ لَكُمْ﴾ الذي يحدد وظيفة الغريزة ومقصدها النبيل في حفظ النسل وعمارة الأرض، ثم التعقيب المباشر بالأمر الأخروي: ﴿وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾؛ لئلا تنحدر العلاقة إلى مجرد بهيمية محضة، بل تتصل بالعبادة والذكر ورجاء الذرية الصالحة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
استغل بعض أهل الأهواء قوله ﴿أَنَّى شِئْتُمْ﴾ فزعموا أنها تبيح الوطء في الدبر! وهذا ضلال مبين وتأويل فاسد يرده القرآن والسنة وإجماع الصحابة:
لفظ ﴿حَرْثٌ لَكُمْ﴾ صريح في الدلالة؛ فالحرث موضع إلقاء البذر لطلب النماء والولد، والدبر موضع قذر ونجاسة ولا إنبات فيه بحال، فإتيان غير موضع الحرث مخالفة لصريح النص.
صرحت الأحاديث المتواترة الصحيحة بلعن فاعله ووصفه بـ "اللوطية الصغرى"، وبيّن جابر سبب النزول صريحاً في الرد على خرافة الحَوَل، وأن الإباحة هي في كيفيات إتيان الفرج فقط.
ما نُسب إلى ابن عمر رضي الله عنهما في إباحة ذلك كذب عليه، وقد أنكر تلميذه نافع ذلك أشد الإنكار، وبيّن الإمام مالك وغيره أن الرواية وُهم فيها، وإنما كان ابن عمر يتأول الآية في إتيان القبل من جهة الظهر.
التشبيه البليغ في قوله ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ﴾؛ حيث حذف وجه الشبه والأداة، لبيان التلازم بين الاستمتاع وطلب النسل، ورفع قدر الزوجة بمقارنتها بمصدر الخير والنماء.
إيقاظ الضمير الإنساني بالفاصلة ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ﴾ في سياق تشريع المعاشرة الزوجية المغلقة خلف الأبواب؛ لأن الحرمات الزوجية لا يحرسها إلا وازع التقوى ومراقبة الله تعالى.
الإشارات الإيمانية ولطائف التدبر:
فسر النبي ﷺ قوله ﴿وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ﴾ بالتسمية عند الجماع؛ كما أخرج البخاري (حديث رقم ١٤١)مصدر غير محددحديث رقم ١٤١ عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: «لو أن أحدكم إذا أراد أن يأتي أهله قال: بسم الله، اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا، فإنه إن يقدر بينهما ولد في ذلك لم يضره شيطان أبداً».
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الثمرات السلوكية والتطبيق المعاصر:
تحرير العلاقة الزوجية من العقد النفسية والخرافات الجاهلية، وممارسة الاستمتاع الفطري بالرحمة والتراضي في حدود ما أحل الله.
استحضار النية الصالحة في طلب العفاف والذرية الطيبة، والالتزام بالأدعية النبوية المأثورة.
شهادات الأعلام ورؤى المصلحين:
قال الإمام ابن القيم في روضة المحبين (ص٢١٨): «دلت الآية على سعة الشريعة وكمالها؛ فقد أباحت للرجل أن يستمتع بزوجته على أي وضع أحب، مقبلة ومدبرة ومستلقية، ما دام في الفرج الذي هو موضع الحرث... وحرّمت الدبر صيانة لكرامة الإنسان وفطرته ودفعاً للأذى والخبث».
الدلائل والإشارات:
مشروعية استمتاع الرجل بزوجته على أي كيفية شاء إذا كان في موضع الفرج: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾.
تحريم وطء النساء في الأدبار تحريماً قاطعاً.
التوجيه الإلهي بالبدار إلى تقديم الأعمال الصالحة والدعاء بالذرية الصالحة: ﴿وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ﴾.
التذكير بلقاء الله تعالى والحساب بين يديه رادعاً عن المعاصي في الخلوات: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ﴾.
بشارة المؤمنين الممتثلين لحدود الله بالفوز والرضوان في الدارين: ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾.