أخرج ابن أبي حاتم (الرقم: 2695)مصدر غير محددحديث رقم ٢٦٩٥ وابن جرير في «تفسيره» (5/519)مصدر غير محدد٥/٥١٩ عن قتادة في قوله: ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ﴾ قال: «رد جميل على السائل، وعفو عن ظلم أو إلحاف في المسألة خير من صدقة يتلوها أذى».
وروى البخاري في «الأدب المفرد» (الرقم: 473)الأدب المفردالبخاريحديث رقم ٤٧٣ وصححه الألباني عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الْكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ صَدَقَةٌ»، وأخرجه الشيخان من حديث عدي بن حاتم: «اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ، فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَبِكَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ» (البخاري: 1413، مسلم: 1016).
قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ﴾: قرأ الجميع بضم الياء واللام مع التنوين، والإظهار الحلقي للتنوين قبل الحاء في ﴿حَلِيمٌ﴾.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
قَوْلٌ مَعْرُوفٌ: كلام حسن تطمئن إليه النفوس وتألفه الفطر السليمة، كرد السائل بالدعاء اللطيف والاعتذار الكريم: (بارك الله لك، يسر الله أمرك، رزقنا الله وإياك).
وَمَغْفِرَةٌ: ستر وعفو وتجاوز عما قد يبدر من السائل من خشونة أو إلحاف وضجر ناتج عن شدة الفقر وألم الحاجة.
غَنِيٌّ حَلِيمٌ: «غني» عن صدقات الخلق وإنفاقهم، فلا تنفعه طاعتهم ولا تضره معصيتهم، «حليم» لا يعاجل المنانين والمؤذين بالعقوبة بل يمهلهم ليتوبوا ويصلحوا نياتهم.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
المفاضلة القيمية الأخلاقية بين البديلين:
لما نهى عن المن والأذى، ربما ظن ظان أنه إذا لم يملك مالاً أو إذا ألح عليه سائل ولم يجد ما يعطيه كان محروماً من الخير؛ فبينت الآية أن المعاملة الأخلاقية والكلمة الطيبة والعفو والصفح خير وأعظم عند الله من مال يدفع ممزوجاً بالإذلال والتجريح.
الارتباط التام مع اسمي الله ﴿غَنِيٌّ حَلِيمٌ﴾:
الختم الاسمي هنا في غاية الإحكام: فالمؤذي يتكبر بماله، فذكره الله بأنه هو الغني على الإطلاق وأن مال العبد زائل ومستعار، ولما كان المؤذي مستحقاً للمحق والعذاب العاجل، ذكره الله بأنه حليم يمهل ولا يهمل.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة تفضيل الفعل القولي على المالي:
قد يقال: كيف يكون مجرد القول المعروف خيراً من مال ينتفع به الفقير مادياً؟
الجواب العقلي والأخلاقي: ألم الأذى وجرح الكرامة أشد مضاءً في النفس من ألم الجوع والفقر؛ فالفقير قد يصبر على خمص البطن، لكنه لا يصبر على إهانة كرامته الإنسانية التي شرفه الله بها. وإذا اقترنت الصدقة بالأذى تحولت من إحسان إلى اعتداء نفسي، فكان ترك الصدقة مع حفظ كرامته أصلح له قلباً وديناً.
تنكير يفيد التعظيم والتفخيم؛ أي أيّ قول معروف، وأيّ مغفرة وتجاوز، فإن لهما قدراً جليلاً عند الله تعالى.
صيغة التفضيل ﴿خَيْرٌ﴾:
تدل على رجحان كفة السلم القلبي واللساني على كفة العطاء المنغص؛ فالأول خير محض، بينما الثاني شر ومأثم.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
تربية المجتمع المسلم على ثقافة اللين والاعتذار الراقي:
ينبغي للمسلم إذا عجز عن قضاء حاجة المحتاج ألا ينهره ولا يغلظ له في القول، بل يقابله بالبشر والاعتذار والدعاء الطيب، امتثالاً لقوله تعالى: ﴿وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا﴾.
ضبط النفس عند مواجهة سفه السائلين:
الفقير في حالة كرب وشدة نفسية قد تحمله على الجفاء، فينبغي للمتصدق والداعية أن يتحلى بالحلم والمغفرة اقتداءً بحلم الله تبارك وتعالى.