أخرج ابن جرير الطبري في جامع البيان، وابن أبي حاتم في تفسيره (ج٢، ص٣٨٢) من طريق الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: نزلت هذه الآية في عبد الله بن سلام وأصحابه من مؤمني أهل الكتاب، وذلك أنهم حين آمنوا بالنبي ﷺ استأذنوه أن يسبتوا السبت، وأن يقوموا بالتوراة بالليل، فأنزل الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾.
قال الحافظ ابن كثير في تفسير القرآن العظيم: «وهذا الإسناد ضعيف لأجل الكلبي، ولكن المعنى صحيح متسق، فإن الله تعالى يأمر عباده المؤمنين به المصدقين برسوله أن يأخذوا بجميع عرى الإسلام وشرائعه، والعمل بجميع أوامره، وترك جميع زواجره، ما استطاعوا من ذلك».
وروى مجاهد وعكرمة وقتادة والضحاك والسدي في أسانيد صحيحة أخرجها الطبري (ج٤، ص٢٥٤)مصدر غير محدد٤/٢٥٤: أن السِّلم ها هنا هو الإسلام؛ والمعنى: ادخلوا في جميع شرائع الإسلام ووفاق أحكامه ولا تفرطوا في شيء منها.
الآثار والمرويات التفسيرية المسندة:
روى الإمام أحمد في المسند (رقم ١٨٠١٩)، والترمذي (رقم ٣١٠٤)مصدر غير محددحديث رقم ٣١٠٤ وصححه، من حديث عبد الله بن سلام رضي الله عنه، في قصة إسلامه وشهادة النبي ﷺ له بالجنة وعظيم ثباته على أحكام الإسلام.
أخرج البخاري في صحيحه (كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب الاقتداء بسنن رسول الله ﷺ، حديث رقم ٧٢٨٠) عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي ﷺ قال: «دعوني ما تركتكم، إنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم». وهذا الحديث أصل أصيل في وجوب امتثال الشريعة واجتناب التبعيض للأحكام.
التخريج الحديثي وضبط الروايات:
حديث ابن عباس الموقوف في خطورة اتباع خطوات الشيطان: أخرجه الحاكم في المستدرك (ج٢، ص٢٨١) وقال: «صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه»، ووافقه الذهبي، وفيه التحذير من استدراج إبليس في تحسين البدع وهجر السنن بدعوى التعبد والورع الفاسد.
*صحيحه* (كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب الاقتداء بسنن رسول الله ﷺ، حديث رقم ٧٢٨٠)مصدر غير محددحديث رقم ٧٢٨٠*المستدرك* (ج٢، ص٢٨١)المستدرك على الصحيحينالحاكم النيسابوري٢/٢٨١*المسند* (رقم ١٨٠١٩)مسند الإمام أحمدأحمد بن حنبلحديث رقم ١٨٠١٩*تفسيره* (ج٢، ص٣٨٢)مصدر غير محدد٢/٣٨٢
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
المفردات والاشتقاق والدلالة الصرفية:
﴿السِّلْمِ﴾: قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وعاصم في رواية حفص بكسر السين وسكون اللام ﴿السِّلْمِ﴾، وقرأ حمزة والكسائي وعاصم في رواية أبي بكر بفتح السين ﴿السَّلْمِ﴾، وهما لغتان فصيحتان في الإسلام والاستسلام والانقياد، كما في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا﴾. وأصل المادة (س-ل-م) دال على السلامة من الآفات والعيوب، والانقياد والخلوص من المنازعة.
﴿كَافَّةً﴾: اسم فاعل مشتق من الكفّ، وهو المنع؛ يقال: كففت الشيء إذا منعته، والتاء فيها للمبالغة كتاء راوية وعلامة، ولا تؤنث لتأنيث الموصوف ولا تذكر لتذكيره، بل تلزم لفظاً واحداً، ومعناها: جميعاً مانعين لأنفسهم من التفرق والتجزئة.
﴿خُطُوَاتِ﴾: قرأ الجمهور بضم الخاء والطاء جمع خُطوة (بضم الخاء) وهي ما بين القدمين عند المشي، وقرأ قنبل وأبو جعفر وعاصم في رواية ورش وحفص بسكون الطاء للتخفيف. والمراد بخطوات الشيطان: طرائقه ومسالكه ومكائده ونزغاته واستدراجه في الغواية شأواً بعد شأو.
﴿مُبِينٌ﴾: اسم فاعل من أبان الرباعي، إما متعدٍ بمعنى أظهر عداوته وأوضحها، أو لازم بمعنى بيِّن العداوة ظاهر الخصومة لا لبس فيه.
الإعراب وتوجيه القراءات المتواترة:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾: ﴿يا﴾ حرف نداء، ﴿أيّ﴾ منادى مبني على الضم في محل نصب، و﴿ها﴾ حرف تنبيه، ﴿الذين﴾ اسم موصول نعت لأي أو بدل منه في محل رفع تبعاً للفظ، وجملة ﴿آمَنُوا﴾ صلة الموصول لا محل لها من الإعراب.
﴿ادْخُلُوا﴾: فعل أمر مبني على حذف النون، والواو ضمير متصل فاعل.
﴿فِي السِّلْمِ﴾: جار ومجرور متعلق بالفعل ادخلوا.
﴿كَافَّةً﴾: حال منصوبة، وفي صاحب الحال وجهان لأئمة الإعراب:
أنه حال من الواو في ﴿ادْخُلُوا﴾، أي: ادخلوا كلكم في الإسلام مجتمعين لا يتخلف منكم أحد؛ ورجحه الطبري وأبو حيان.
أنه حال من ﴿السِّلْمِ﴾، أي: ادخلوا في جميع شعب الإسلام وأحكامه ولا تدعوا منها حكماً؛ ورجحه الزمخشري وابن عطية وابن القيم، واستدلوا بأن السِّلم يصح وصفه بالعموم لتعدد شرائعه وشعبه.
﴿وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾: الواو عاطفة، ﴿لا﴾ ناهية جازمة، ﴿تَتَّبِعُوا﴾ فعل مضارع مجزوم بحذف النون، ﴿خُطُوَاتِ﴾ مفعول به منصوب وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة لأنه جمع مؤنث سالم، وهو مضاف، و﴿الشَّيْطَانِ﴾ مضاف إليه مجرور.
﴿إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾: ﴿إنَّ﴾ حرف توكيد ونصب والهاء اسمها، ﴿لَكُمْ﴾ جار ومجرور متعلق بنعت لعدو أو بمبين، ﴿عَدُوٌّ﴾ خبر إن مرفوع، و﴿مُبِينٌ﴾ نعت مرفوع، والجملة تعليلية لا محل لها من الإعراب.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
وجه المناسبة بين الآية وما قبلها:
بعد أن فصّل الحق جل وعلا في الآيات السابقة صنفين متباينين من الناس: صنف المنافق المراوغ الألدّ المفسد في الأرض المعجب بلسانه، وصنف المؤمن الصادق الذي يبيع نفسه ابتغاء مرضات الله، ناسب توجيه الخطاب المباشر للذين آمنوا بأن يمحصوا إيمانهم، فلا يكتفوا بظاهر الإقرار، ولا يخلطوا إسلامهم ببقايا هوى أو تركات جاهلية، بل يلزمهم الدخول التام في شرائع الملة كلها.
التناسب الداخلي وبناء الفاصلة القرآنية:
تقابل مطلع الآية ﴿ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾ مع نهيها ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾؛ فالأول استغراق كلي في طاعة الرحمن، والثاني تحذير من أدنى درجات الميل والانجرار وراء إبليس؛ لأن ترك جزء من الشريعة هو أول عتبة من خطوات الشيطان.
واختتمت الآية بالفاصلة ﴿إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ لبيان العلة الجالبة لليقظة؛ فالعدو المصرِّح بعداوته لا يُحسن به أن يُطاع في خطوة واحدة فضلاً عن خطوات.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
دفع شبهة تجزئة الشريعة والأخذ ببعض الكتاب دون بعض:
يتوهم بعض المنتسبين للفكر التلفيقي المعاصر جواز انتقاء أحكام معينة من الإسلام وإهمال منظومته التشريعية والأخلاقية الكلية؛ وتدحض الآية هذه النحلة دحضاً قاطعاً بلفظ ﴿كَافَّةً﴾؛ إذ أوجبت على المؤمنين الاستسلام الكلي لحاكمية النص وأوامره التكليفية من غير تجزئة ولا إقصاء ولا تحريف، مبينة أن التبعيض ليس إلا خطوة شطانية تقود إلى خلع ربقة الدين تدريجياً.
إبطال دعوى التناقض بين محبة الخير والابتداع في الدين:
بين العلماء أن التقرب إلى الله بما لم يشرعه بدعوى الزيادة في العبادة (كتعظيم السبت لمن آمن من اليهود) ليس من الورع في شيء، بل هو اتباع لخطوات الشيطان؛ لأن تعظيم شعيرة منسوخة استدراك على الشرع الخاتم.
البعد البياني والبلاغي والإشاري والتدبري
الأسرار البلاغية والبيانية:
استعارة التمثيل في قوله ﴿ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ﴾؛ حيث شبّه الإسلام بالحصن الحصين أو البلد الأمين الذي يحيط بالداخل فيه من كل جانب، ولفظ ﴿ادْخُلُوا﴾ يشعر بالانتقال الكامل للذات داخل هذا الحصن، بحيث لا يبقى طرف منها في الخارج.
التعبير بـ ﴿خُطُوَاتِ﴾ بصيغة الجمع والتقليل؛ للإشعار بأن الشيطان لا يطلب من المؤمن الكفر ابتداءً، وإنما يستدرجه بخطوة يسيرة، ثم يتبعها بخطوات حتى يوقعه في الهاوية؛ وهو ما يُعرف في علم النفس السلوكي بالتدرج في الانحراف.
الإشارات الإيمانية ولطائف التدبر:
قال الإمام ابن القيم في الفوائد (ص١٣٤): «أمر الله تعالى عباده بالدخول في الإسلام كله؛ فمن ترك بعضه لم يدخل فيه كافة؛ وإنما كان إسلامه على حرف، والشيطان لا يزال يغريه بترك خصلة بعد خصلة حتى ينسلخ منه بالكلية».
*الفوائد* (ص١٣٤)الفوائدابن القيم١٣٤
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الثمرات السلوكية والتطبيق المعاصر:
لزوم الشريعة في كل مجالات الحياة المعاصرة: العقدية، والأخلاقية، والاجتماعية، والاقتصادية، والسياسية، فلا ينفصل السلوك العملي للمسلم عن مقتضيات عقيدته.
فضح حبائل الشيطان ومكائده المعاصرة التي تتسلل للمؤمن عبر الذرائع والتسويف والتهاون في الصغائر.
شهادات الأعلام ورؤى المصلحين:
كتب فخر الدين الرازي في مفاتيح الغيب: «الآية دالة على أن من أسلم وجب عليه الانقياد لجميع أوامر الله ونواهيه، ولا يجوز له أن يفرِّق بين حكم وحكم، لأن الشريعة بناء محكم متماسك، فإذا انهدم جزء منه توالى انهياره».
وقال سيد قطب في في ظلال القرآن (ج١، ص٢٠٣): «إنه الاستسلام التام لله، والطاعة المطلقة لمنهجه، والتحرر من كل سلطان سواه؛ فلا يدخل المسلم في السِّلم حتى يسلم قياده كله لله رب العالمين، متخلصاً من نزغات الجاهلية وأهوائها».
الدلائل والإشارات:
فرضية الدخول في جميع أحكام الإسلام وشرائعه دون اجتزاء: ﴿ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾.
التحذير الإلهي البالغ من التدرج الشيطاني والاستدراج في المنكرات: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾.