أخرج ابن جرير الطبري في جامع البيان، وابن أبي حاتم في تفسيره (ج٢، ص٤٠١) من طريق السدي قال: نزلت هذه الآية في عمرو بن الجموح الأنصاري، وكان شيخاً كبيراً ذا مال عظيم، فقال: يا رسول الله، بماذا نتصدق وعلى من ننفق؟ فأنزل الله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ...﴾ الآية.
وروى عطاء الخراساني عن ابن عباس رضي الله عنهما أن الآية نزلت بياناً لمصارف الصدقة وأولوياتها قبل فرض زكاة الأموال المقدرة بالأنصبة في سورة التوبة.
الآثار والمرويات التفسيرية المسندة:
أخرج البخاري في صحيحه (كتاب النفقات، باب فضل النفقة على الأهل، حديث رقم ٥٣٥٥) ومسلم في صحيحه (حديث رقم ٩٩٥) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي ﷺ قال: «دينار أنفقته في سبيل الله، ودينار أنفقته في رقبة، ودينار تصدقت به على مسكين، ودينار أنفقته على أهلك؛ أعظمها أجراً الذي أنفقته على أهلك».
وروى الإمام أحمد في المسند (رقم ١٦٨٦٣)، وأبو داود (رقم ١٦٩١)مصدر غير محددحديث رقم ١٦٩١ والترمذي (رقم ٦٥٨)مصدر غير محددحديث رقم ٦٥٨ وحسنه، من حديث بهز بن حكيم عن أبيه عن جده رضي الله عنه قال: قلت: يا رسول الله، من أبر؟ قال: «أمك»، قلت: ثم من؟ قال: «أمك»، قلت: ثم من؟ قال: «أمك»، قلت: ثم من؟ قال: «أباك، ثم الأقرب فالأقرب».
التخريج الحديثي وضبط الروايات:
حديث ثواب النفقة ولو كانت قليلة: أخرجه البخاري في صحيحه (حديث رقم ١٤١٧) ومسلم (حديث رقم ١٠١٦)مصدر غير محددحديث رقم ١٠١٦ من حديث عدي بن حاتم رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «اتقوا النار ولو بشق تمرة، فمن لم يجد فبكلمة طيبة»، وهو تأكيد لعموم قوله تعالى: ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾.
*صحيحه* (كتاب النفقات، باب فضل النفقة على الأهل، حديث رقم ٥٣٥٥)مصدر غير محددحديث رقم ٥٣٥٥*صحيحه* (حديث رقم ١٤١٧)مصدر غير محددحديث رقم ١٤١٧*صحيحه* (حديث رقم ٩٩٥)مصدر غير محددحديث رقم ٩٩٥*المسند* (رقم ١٦٨٦٣)مسند الإمام أحمدأحمد بن حنبلحديث رقم ١٦٨٦٣*تفسيره* (ج٢، ص٤٠١)مصدر غير محدد٢/٤٠١
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
مَاذَا
مركبة من (ما) الاستفهامية و(ذا) الموصولية أو الإشارية، أو هي كلمة واحدة اسم استفهام مفعول به مقدّم لينفقون.
خَيْرٍ
الخير هنا المال الحلال؛ وسماه القرآن خيراً لبيان أن المال نعمة شريفة إذا كسب من حله وصُرف في حقه وطاعته، كما قال تعالى: ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا﴾.
الْوَالِدَيْنِ
الأب والأم، وثُنِّي تغليباً وتكريماً لأصلهما في وجود الولد.
الْأَقْرَبِينَ
جمع الأقرب، وهو القريب في النسب والرحم؛ وأفعل التفضيل يفيد تقديم الأقرب فالأقرب في الاستحقاق.
ابْنِ السَّبِيلِ
المسافر المنقطع به في غير بلده، ونُسب إلى السبيل (وهو الطريق) لملازمته له وسيره فيه.
يَسْأَلُونَكَ
فعل مضارع مرفوع بثبوت النون، والواو فاعل، والكاف مفعول به.
مَاذَا يُنْفِقُونَ
﴿ما﴾ استفهامية في محل رفع مبتدأ و﴿ذا﴾ اسم موصول خبره وجملة ينفقون صلته، أو ﴿ماذا﴾ كلها اسم استفهام مبني في محل نصب مفعول به مقدم لـ ﴿يُنْفِقُونَ﴾.
قُلْ
فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره أنت.
مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ
﴿ما﴾ اسم شرط جازم في محل نصب مفعول به مقدم لأنفقتم (أو مبتدأ)، ﴿أنفقتم﴾ فعل ماضٍ في محل جزم فعل الشرط، ﴿من خير﴾ جار ومجرور بيان لـ ﴿ما﴾.
فَلِلْوَالِدَيْنِ
الفاء واقعة في جواب الشرط، اللام حرف جر تفيد الاستحقاق والمصرف، ﴿الوالدين﴾ مجرور بالياء لأنه مثنى، والجار والمجرور متعلق بمحذوف خبر لمبتدأ محذوف تقديره: فنفقته للوالدين، أو متعلق بالفعل أنفقوا المقدر، والجملة في محل جزم جواب الشرط.
الواو استئنافية، ﴿ما﴾ شرطية جازمة مفعول مقدم لتفعلوا، ﴿تفعلوا﴾ فعل مضارع مجزوم بحذف النون، ﴿من خير﴾ تمييز أو حال.
فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ
الفاء رابطة للجواب، ﴿إنَّ﴾ واسمها، ﴿به﴾ جار ومجرور متعلق بعليم، ﴿عَلِيمٌ﴾ خبر إن مرفوع، والجملة جواب الشرط.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
وجه المناسبة بين الآية وما قبلها:
بعد أن ذكر الله تعالى الابتلاء بالبأساء والضراء والمحن وزلزلة القلوب في الآية السابقة: ﴿مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا﴾، ناسب بيان سبل التراحم والتكافل الاجتماعي التي تدفع البأساء وتخفف الفقر واللأواء عن الأمة، فأمر بالإنفاق على المحتاجين ورتب أولويات التكافل بدءاً من الوالدين ثم الأقرب فالأقرب.
التناسب الداخلي وبناء الفاصلة القرآنية:
أسلوب الحكيم الإعجازي: سأل الصحابة عن ماهية الشيء الذي ينفقونه ﴿مَاذَا يُنْفِقُونَ﴾، فعدل الجواب القرآني الحكيم إلى بيان المصرف ومن يستحق النفقة ﴿قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ...﴾؛ لأن الإنفاق لا يكمل شرفه ولا يتحقق مقصوده إلا بمعرفة موضعه المستحق، مع الإشارة إلى ماهية المنفق بلفظ ﴿مِنْ خَيْرٍ﴾ ليشمل كل طيب مباح قليلاً كان أو كثيراً.
ختم الآية بقوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ لتطمين المنفق وتأكيد أن كل بذل مهما صغر محفوظ عند العليم الخبير لا يضيع منه مثقال ذرة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
فقه الأولويات في النظام المالي الإسلامي:
تضع الآية مصفوفة تشريعية واضحة تمنع الخلل في تدبير الأموال؛ فبدأت بالوالدين لأن حقهما آكد الحقوق بعد حق الله، ثم ثنت بالأقربين عملاً بصلة الرحم، ثم بالفئات الضعيفة خارج نطاق الأسرة (اليتامى والمساكين)، ثم بالغريب المنقطع (ابن السبيل).
رد دعوى من يهمل والديه وأرحامه ويتصدق على الأباعد طلباً للشهرة والرياء؛ فالصدقة على القريب صدقة وصلة، والتقديم هنا تقديم وجوب واستحقاق.
البعد البياني والبلاغي والإشاري والتدبري
الأسرار البلاغية والبيانية:
أسلوب الحكيم: تلقي السائل بغير ما يترقبه بتنبيهه على أن الأولى به أن يعنى بالمصرف الذي يوضع فيه المال، لا بمجرد جنس المال.
التعبير عن المال بـ ﴿خَيْرٍ﴾؛ لإضفاء الطهارة المعنوية على المال المنفق، ولدلالة أن ما كان خبيثاً أو حراماً لا يقبله الله، فالإسلام لا يسمى الحرام خيراً.
الإشارات الإيمانية ولطائف التدبر:
قال الإمام فخر الدين الرازي في مفاتيح الغيب: «رتب الله تعالى هذه الأصناف على أحسن الترتيب؛ بدأ بالوالدين لكونهما الأصل ولعظم حقهما، ثم بالأقربين لأن الصدقة عليهم صدقة وصلة، ثم باليتامى لعجزهم عن الكسب وموت كافلهم، ثم بالمساكين لشدة فاقتهم، ثم بابن السبيل لغربته وانقطاعه».
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الثمرات السلوكية والتطبيق المعاصر:
بناء شبكات الأمان الاجتماعي الذاتي القائمة على التضامن الأسري والعائلي قبل اللجوء للمؤسسات العامة.
توجيه أموال الصدقات المعاصرة بحسب هذه الأولويات القرآنية المحكمة لمنع ضياع الأقارب والمحتاجين.
شهادات الأعلام ورؤى المصلحين:
كتب الشيخ السعدي في تيسيره (ص٩٦): «الآية جامعة لحسن التصرف في الأموال؛ فبينت أن أفضل النفقة ما كان على من عظم حقه، وأن الله لا يخفى عليه فعل المحسنين وسيجازيهم أتم الجزاء».
الدلائل والإشارات:
مشروعية السؤال عن أحكام الشريعة وفقه الإنفاق.
استخدام "أسلوب الحكيم" في توجيه السائل إلى ما هو أولى بالبيان.
الترتيب الشرعي الإلزامي لأولويات النفقة: الوالدان، ثم الأقربون، ثم اليتامى والمساكين، ثم ابن السبيل.
تسمية المال الحلال المنفق "خيراً": ﴿مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ﴾.
علم الله المحيط بكل أعمال البر ونفقات الإحسان: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾.