أخرج ابن أبي حاتم في تفسيره (ج٢، ص٤٩٧)، وابن جرير الطبري (ج٤، ص٥١٥)مصدر غير محدد٤/٥١٥حسن بإسناد حسن عن السدي، وعن مجاهد قالا: تزوج رجل من الأنصار امرأة من بني حنيفة ولم يسمِّ لها مهراً، ثم طلقها قبل أن يمسها، فأنزل الله تبارك وتعالى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ...﴾، فقال النبي ﷺ للرجل: «متّعها ولو بقَلَنْسُوَتِكَ» (أي أعطها متاعاً يجبر خاطرها ولو كان غطاء رأس).
الآثار والمرويات التفسيرية المسندة:
أخرج البخاري في صحيحه (كتاب الطلاق، باب من طلّق قبل الدخول ولم يفرض صداقاً، حديث رقم ٥٢٩٦) عن سهل بن سعد وسعيد بن المسيب: في وجوب متعة المطلقة المفوضة التي طلقت قبل المسيس وقبل تسمية الصداق.
وروى عبد الرزاق في المصنف (رقم ١٠٦٧٨) عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: «أعلى المتعة خادم (عبد أو أمة)، ودونها ثوب، ودونها نفقة دراهم بحسب حال الزوج يسراً وعسراً».
التخريج الحديثي وضبط الروايات:
قضاء عبد الله بن مسعود رضي الله عنه في بروع بنت واشق: أخرجه الإمام أحمد في المسند (رقم ٤١٢٩)، وأبو داود (رقم ٢١١٤)مصدر غير محددحديث رقم ٢١١٤، والترمذي (رقم ١١٤٥)مصدر غير محددحديث رقم ١١٤٥ وصححه، والنسائي (ج٦، ص١٢١)مصدر غير محدد٦/١٢١: أن ابن مسعود سُئل عن رجل تزوج امرأة ولم يفرض لها صداقاً ولم يدخل بها حتى مات، فاختلفوا فيها شهراً، فقال ابن مسعود: أقول فيها برأيي: «لها صداق نسائها لا وكس ولا شطط، وعليها العدة، ولها الميراث»، فقام معقل بن سنان الأشجعي فقال: شهدتُ رسول الله ﷺ قضى في بَرْوَع بنت واشِق بمثل ما قضيت! ففرح ابن مسعود فرحاً شديداً.
*صحيحه* (كتاب الطلاق، باب من طلّق قبل الدخول ولم يفرض صداقاً، حديث رقم ٥٢٩٦)مصدر غير محددحديث رقم ٥٢٩٦*المصنف* (رقم ١٠٦٧٨)مصدر غير محددحديث رقم ١٠٦٧٨*تفسيره* (ج٢، ص٤٩٧)مصدر غير محدد٢/٤٩٧*المسند* (رقم ٤١٢٩)مسند الإمام أحمدأحمد بن حنبلحديث رقم ٤١٢٩
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ
المَسّ والملامسة في لغة القرآن كناية عفيفة عن الجماع والوطء؛ وقرأ حمزة والكسائي ﴿مَا لَمْ تُمَاسُّوهُنَّ﴾ بصيغة المفاعلة، والمعنى واحد.
أَوْ تَفْرِضُوا
الفرض: التقدير والتسمية وتحديد مقدار المهر الواجب في العقد؛ و﴿أو﴾ هنا بمعنى الواو (أي ولم تفرضوا)، أو عاطفة لنفي كل واحدة على حدة.
وَمَتِّعُوهُنَّ
التمتيع: إعطاء المتعة؛ وهي مال مخصوص يدفعه المطلِّق لمطلقته جبراً لخاطرها وتطييباً لنفسها وإعانة لها بعد وحشة الطلاق.
الْمُوسِعِ
اسم فاعل من أوسع، وهو الغني المقتدر الواسع المال والرزق.
الْمُقْتِرِ
اسم فاعل من أقتر، وهو الفقير الضيق الحال القليل المال.
قَدَرُهُ
قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وعاصم في رواية حفص ﴿قَدَرُهُ﴾ بفتح الدال في الموضعين، وقرأ حمزة والكسائي وابن عامر وأبو بكر عن عاصم ﴿قَدْرُهُ﴾ بسكون الدال، وهما لغتان بمعنى المقدار والطاقة والوسع.
لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ
جملة نفي الجنس استئنافية؛ لا واسمها وخبرها.
إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ
شرط جازم حذف جوابه لدلالة ما قبله عليه؛ ﴿إن﴾ شرطية، ﴿طلقتم﴾ فعل ماضٍ في محل جزم فعل الشرط، ﴿النساء﴾ مفعول به.
مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ
﴿ما﴾ مصدرية ظرفية؛ أي مدة عدم مسيسكم لهن، أو شرطية أو حالية بتقدير: حال كونكم لم تمسوهن؛ ﴿لم﴾ جازمة، ﴿تمسوهن﴾ مضارع مجزوم بحذف النون والهاء مفعول به.
أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً
﴿أو﴾ عاطفة، ﴿تفوضوا﴾ مجزوم بالعطف على تمسوهن، ﴿لهن﴾ متعلق بتفرضوا، ﴿فريضة﴾ مفعول به أو مفعول مطلق.
وَمَتِّعُوهُنَّ
الواو عاطفة، فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعل والهاء مفعول به.
عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ
﴿على الْمُوسِعِ﴾ جار ومجرور خبر مقدم، ﴿قَدَرُهُ﴾ مبتدأ مؤخر مرفوع بالضمة والهاء مضاف إليه، والجملة الاسمية في محل نصب حال أو مستأنفة لتحديد الواجب.
وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ
معطوفة على الجملة السابقة.
مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ
﴿متاعاً﴾ مفعول مطلق مؤكد لمتعوهن، ﴿بالمعروف﴾ نعت لمتاعاً.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
وجه المناسبة بين الآية وما قبلها:
بعد أن فصّل الله تعالى أحكام الطلاق بعد المسيس وتسمية المهر والوفاة، ناسب بيان نوع خاص من الطلاق يعتريه إشكال في النفوس: وهو طلاق المرأة التي عُقد عليها دون تحديد مهر ولم يدخل بها الزوج؛ فبين القرآن رفع الإثم عن هذا الطلاق، وفرض لها تعويضاً مالياً وأخلاقياً كريماً وهو "المتعة".
التناسب الداخلي وبناء الفاصلة القرآنية:
الموازنة الاجتماعية العادلة: لم يحدد الشرع مبلغاً جامداً للمتعة، بل راعى الفروق المالية بين الناس: ﴿عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾؛ حتى لا يُثقل على المعسر ولا يبخل الموسر.
ختام الآية بوصف ﴿حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾؛ ليرفع منزلة هذا البذل من مجرد تعويض مالي جاف إلى رتبة الإحسان العليّة والتعبد لله.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
حكم نكاح التفويض وصحته بإجماع الأمة:
تؤسس الآية لصحة "نكاح التفويض" وهو عقد الزواج الصحيح الذي لم يُذكر فيه مهر ولم يُسمَّ؛ بدليل قوله: ﴿أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾؛ فجواز الطلاق فرع عن صحة النكاح ابتداءً؛ فلو لم يكن نكاح التفويض صحيحاً لما ترتب عليه طلاق ولا متعة.
حكم المتعة للمطلقة بين الوجوب والاستحباب:
اختلف أئمة الفقه في وجوب المتعة:
المطلقة قبل الدخول ولم يُسمَّ لها مهر: تجب لها المتعة إجماعاً بظاهر هذه الآية: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ... حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾، ولا مهر لها ولا نصف مهر.
سائر المطلقات: ذهب الشافعي في الجديد وطائفة من أهل العلم إلى وجوب المتعة لكل مطلقة إلا التي طُلقت قبل الدخول وقد سُمي لها مهر فلها نصف المهر؛ استدلالاً بهذه الآية وبقوله تعالى في الآية (٢٤١): ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾. وذهب مالك وأحمد وأبو حنيفة إلى استحبابها لسائر المطلقات وتأكدها، وحصر الوجوب في المفوضة المطلقة قبل الدخول.
البعد البياني والبلاغي والإشاري والتدبري
الأسرار البلاغية والبيانية:
الكناية المهذبة بلفظ ﴿تَمَسُّوهُنَّ﴾؛ لتعليم المسلمين السمو اللفظي والعفة في التعبير عن العلاقات الجسدية.
الطباق البديع بين ﴿الْمُوسِعِ﴾ و﴿الْمُقْتِرِ﴾؛ للدلالة على عموم التشريع لكافة الطبقات الاجتماعية في الأمة، وتطبيق مبدأ العدالة التناسبية.
الإشارات الإيمانية ولطائف التدبر:
قال الإمام ابن القيم في زاد المعاد (ج٥، ص٢١١): «شُرعت المتعة جبراً لقلب المطلقة وتطييباً لنفسها؛ فإن وحشة الطلاق وكسر قلب المرأة بالفراق شديد، لا سيما إذا خرجت بغير مهر؛ فأمر الله بتمتيعها إحساناً ومعروفاً لتخرج من بيته راضية مجبور خاطرها، وهذا من محاسن الشريعة التي لا تدانيها شريعة في الوجود».
*زاد المعاد* (ج٥، ص٢١١)زاد المعاد في هدي خير العبادابن القيم٥/٢١١
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الثمرات السلوكية والتطبيق المعاصر:
أداء حقوق المطلقات بسخاء وطيب نفس، والحرص على إعطاء المتعة الكريمة التي تليق بحال الزوج ومكانة المرأة.
إشاعة ثقافة الإحسان والشهامة عند إنهاء العلاقات الزوجية، ونبذ الشح والمخاصمات في أروقة المحاكم.
شهادات الأعلام ورؤى المصلحين:
كتب الشيخ ابن عاشور في التحرير والتنوير: «إن إيجاب المتعة للمطلقة من بدائع التشريع القرآني؛ ففيه جبر لخاطر المرأة المكسور بالطلاق، وسد لحاجتها العاجلة، وإظهار لكرم الإسلام في تحويل لحظة الفراق إلى لحظة إحسان وبذل وتكريم».
الدلائل والإشارات:
رفع الجناح عن طلاق المرأة قبل الدخول وقبل تسمية المهر: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ﴾.
صحة نكاح التفويض الذي لم يحدد فيه المهر في صلب العقد.
وجوب المتعة للمطلقة قبل المسيس وقبل فرض الصداق: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ﴾.
مراعاة الطاقة المالية للزوج في تقدير المتعة يسراً وعسراً: ﴿عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾.
وصف التمتيع بكونه حقاً من حقوق الإحسان والتقوى: ﴿حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾.