استكمالاً للمشهد؛ استجاب الله لدعاء نبيهم واختار لهم ملكاً يقودهم هو "طالوت" (وكان من سبط بنيامين بن يعقوب، ولم يكن من سبط يهوذا الذي فيه المُلْك، ولا من سبط لاوي الذي فيه النبوة، وكان رجلاً فقيراً دباغاً أو راعياً)، فاعترض أشراف بني إسرائيل بالمنطق المادي الطبقي: كيف يحكمنا رجل فقير ليس من بيت الملك ولا يملك ثروة؟! فرد عليهم نبيهم ببيان معايير القيادة الحقيقية عند الله: العلم، والقوة الجسدية، والاصطفاء الإلهي.
أخرج ابن جرير الطبري في جامع البيان، وابن أبي حاتم (ج٢، ص٥٢٩)مصدر غير محدد٢/٥٢٩ عن وهب بن منبه، والسدي، وقتادة: أن طالوت كان رجلاً طوالاً جسيماً جميلاً، وكان أطول الناس قامة، وأعلمهم بالتوراة وأفقههم في الحروب وفنون القتال، وكان فقيراً لا مال له، فاستنكر بنو إسرائيل تقديمه لمجرد فقره.
الآثار والمرويات التفسيرية المسندة:
أخرج مسلم في صحيحه (كتاب القدر، حديث رقم ٢٦٦٤) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كلٍّ خير؛ احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز». وهذا الحديث يجسد تماماً معيار طالوت: ﴿وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ﴾.
التخريج الحديثي وضبط الروايات:
أخرج البخاري في صحيحه (كتاب الأنبياء، باب ما ذكر عن بني إسرائيل) ومسلم عن ابن مسعود وغيره في فضل العلم وحسن التدبير في الإمارة والقيادة على مجرد الغنى والجاه الزائل.
*صحيحه* (كتاب القدر، حديث رقم ٢٦٦٤)مصدر غير محددحديث رقم ٢٦٦٤
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
طَالُوتَ
اسم علم أعجمي، واشتقاقه في العربية من الطُّول؛ وسُمي طالوت لطوله الفارع وبسطة جسده؛ وهو ممنوع من الصرف للعلمية والعجمة أو لزيادة الواو والتاء كجالوت وهاروت وماروت.
سَعَةً مِنَ الْمَالِ
السَّعَة: الغنى والوفرة المالية والاتساع في الدنيا.
اصْطَفَاهُ
الاصطفاء: الاختيار والانتقاء لأفضل العناصر؛ مأخوذ من الصفوة وهو الخالص الصافي من كل كدر.
بَسْطَةً
سعة وامتداداً وزيادة وفضلاً وتفوقاً؛ والبسطة في العلم: الفقه والحكمة والمعرفة الاستراتيجية بفنون القيادة والحروب؛ والبسطة في الجسم: القوة البدنية، والمهابة، والتحمل، والجسارة.
وَاسِعٌ
واسع الفضل والرحمة والغنى والعطاء؛ لا يُعجزه إغناء الفقير ولا يقف ملكه عند معايير البشر.
وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ
فعل ماضٍ، متعلق به، وفاعل ومضاف إليه.
إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا
﴿إن﴾ واسمها، وجملة ﴿قد بعث﴾ خبرها، ﴿لكم﴾ متعلق ببعث، ﴿طَالُوتَ﴾ مفعول به أول منصوب بالفتحة ممنوع من الصرف، ﴿مَلِكًا﴾ مفعول به ثانٍ أو حال.
قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا
﴿أنى﴾ اسم استفهام للإنكار والاستبعاد مبني في محل نصب حال، ﴿يكون﴾ مضارع ناقص، ﴿له﴾ متعلق بخبر يكون المقدم، ﴿الْمُلْكُ﴾ اسمها المؤخر، ﴿علينا﴾ متعلق بحال محذوفة.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
وجه المناسبة بين الآية وما قبلها:
لما سأل بنو إسرائيل نبيهم أن يبعث لهم ملكاً يقاتلون معه، استجاب الله لمطلبهم وعيّن لهم القائد الأصلح، فاصطدم أمر الله بأهوائهم وعقدهم الطبقية المادية؛ فأظهر النظم عوار تفكيرهم وقصور نظرتهم، وقرر المعايير الشرعية والعقلية الحقة لاختيار القيادات.
التناسب الداخلي وبناء الفاصلة القرآنية:
المقابلة الصارخة بين معايير البشر القاصرة: (الوراثة العرقية والمال) ﴿وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ﴾، وبين معايير الله الحكيمة: (الكفاءة، والعلم، والقوة البدنية والمهابة) ﴿وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ﴾.
الختام بالصفتين ﴿وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾؛ واسع الفضل يغني طالوت ويفيض عليه من خزائنه، عليم بمن يصلح للإمارة والقيادة ومن لا يصلح.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
فلسفة القيادة ومعايير تولي المناصب العامة في الإسلام:
تقدم الآية أقدم وأعظم دستور سياسي وإداري لاختيار القادة وأصحاب الولايات؛ حيث حطمت صنمية الأرستقراطية المالية وحكم الثروة (البلوتوقراطية) وحكم النسب؛ وقررت ركيزتين أصيلتين للقيادة:
العلم والحكمة وحسن التدبير: ﴿بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ﴾، وهو القدرة على التخطيط وإدراك الواقع وإدارة المعارك بحنكة.
القوة والأهلية والمهابة الجسدية: ﴿وَالْجِسْمِ﴾، وهي الشجاعة وتحمل أعباء الميدان وصحة البدن، وهي المطابقة لقوله في سورة القصص: ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾.
وتؤكد الآية أن الفقر ليس عيباً ولا مانعاً من تصدر القيادة إذا توفرت الكفاءة والأمانة.
إضافة الملك إلى ضمير الجلالة في قوله ﴿وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ﴾؛ تذكيراً لبني إسرائيل ولكل مستكبر بأن الملك ليس إرثاً لأحد ولا حقاً مكتسباً لسلالة، بل الملك لله وحده يضعه حيث يشاء بحكمته وعدله.
تقديم ﴿الْعِلْمِ﴾ على ﴿الْجِسْمِ﴾؛ تنبيهاً على أن شرف العقل وحسن التدبير مقدم على مجرد القوة العضلية والبطش البدني؛ فالقوة بلا علم تهور وضلال، والعلم هو الموجه للقوة.
الإشارات الإيمانية ولطائف التدبر:
قال الإمام ابن تيمية في السياسة الشرعية (ص١٢): «الواجب في كل ولاية تقديم الأمثل فالأمثل؛ فيقدم في قيادة الحروب الرجل القوي الشجاع الخبير بالحروب وإن كان فيه فجور، على الرجل الصالح الضعيف؛ لأن قوة الشجاع للمسلمين وفجوره على نفسه، وضعف الصالح على المسلمين وصلاحه لنفسه؛ كما دل عليه قوله تعالى: ﴿وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ﴾».
*السياسة الشرعية* (ص١٢)مصدر غير محدد١٢
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الثمرات السلوكية والتطبيق المعاصر:
اعتماد معيار الكفاءة والأهلية والأمانة في إسناد الوظائف والمناصب القيادية في الأمة، ومحاربة المحسوبية والطبقية وتوارث المناصب بغير جدارة.
تقدير أهل العلم وأصحاب الخبرات الميدانية وتقديمهم على أهل الأموال والثروات.
شهادات الأعلام ورؤى المصلحين:
كتب سيد قطب في الظلال (ج١، ص٢٥٦): «هذا النص ينسف كل المقاييس الأرضية المزيفة التي يتحكم فيها المال والحسب الموروث... القيادة في ميزان الله اصطفاء يقوم على مؤهلات ذاتية: علم يهدي ويدبر، وقوة تنفذ وتحمي؛ وحين تسند الأمة قيادتها لهؤلاء ترتقي وتنتصر، وحين تسندها للأثرياء العاجزين تهوي إلى الهزيمة والذل».
الدلائل والإشارات:
بطلان المعايير الطبقية والمالية في تولي الولايات والقيادات: ﴿قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا﴾.
تقرير معايير الجدارة القيادية: الاصطفاء الإلهي، وسعة العلم وحسن التدبير، وقوة الجسم ومهابته: ﴿وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ﴾.
التقرير بأن الملك لله يؤتيه من يشاء بمقتضى حكمته وعدله: ﴿وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ﴾.