وقد حرر أئمة التفسير المسند (ابن جرير الطبري في «جامع البيان»، وابن كثير في «تفسير القرآن العظيم»، والبغوي في «معالم التنزيل»):
أسباب النزول وسياق الآثار:
أخرج ابن ماجه في «سننه» كتاب التجارات (الرقم: 2279)مصدر غير محددحديث رقم ٢٢٧٩ وأحمد في «المسند» (الرقم: 3754)مسند الإمام أحمدأحمد بن حنبلحديث رقم ٣٧٥٤ والحاكم في «المستدرك» (2/37)المستدرك على الصحيحينالحاكم النيسابوري٢/٣٧ وصححه ووافقه الذهبي، عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إِنَّ الرِّبَا وَإِنْ كَثُرَ فَإِنَّ عَاقِبَتَهُ تَصِيرُ إِلَى قُلٍّ».
وجاء في «الصحيحين» (البخاري: 1410، مسلم: 1014) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «مَنْ تَصَدَّقَ بِعَدْلِ تَمْرَةٍ مِنْ كَسْبٍ طَيِّبٍ، وَلَا يَقْبَلُ اللَّهُ إِلَّا الطَّيِّبَ، وَإِنَّ اللَّهَ يَتَقَبَّلُهَا بِيَمِينِهِ، ثُمَّ يُرَبِّيهَا لِصَاحِبِهِ كَمَا يُرَبِّي أَحَدُكُمْ فَلُوَّهُ، حَتَّى تَكُونَ مِثْلَ الْجَبَلِ».
وروى عبد الرزاق في «المصنف» (الرقم: 14660)مصدر غير محددحديث رقم ١٤٦٦٠ عن الضحاك بن مزاحم في قوله: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا﴾ قال: «يذهب ببركته في الدنيا ويهلك ماله، ويعاقبه عليه في الآخرة».
قوله تعالى: ﴿وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾: قرأ الجمهور بضم الياء الأولى وسكون الراء وكسر الباء ﴿وَيُرْبِي﴾ من أربى يُربي إذا زاد ونمى. وقرأ ابن محيصن ومجاهد بفتح الياء وضم الراء وتشديد الباء: ﴿وَيُرَبِّي﴾ من ربّى يُربّي.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
يَمْحَقُ: المَحْق في لغة العرب هو الإهلاك والاستئصال، وذهاب الشيء تدريجياً حتى لا يبقى منه أثر، ومنه محاق القمر في آخر الشهر إذا تضاءل نوره حتى غاب تماماً.
وَيُرْبِي: الإرباء الزيادة والتكثير والإعلاء، والمعنى: ينمي أموال الصدقات ويبارك فيها في الدنيا، ويضاعف أجرها وثوابها لأصحابها في الآخرة أضعافاً مضاعفة.
كَفَّارٍ أَثِيمٍ: صيغتا مبالغة من الكفر والإثم؛ كَفَّار مبالغ في كفران نعم الله واستحلال محرماته، وأَثِيم مبالغ في ارتكاب الإثم والمعاصي وأكل الحرام.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
المقابلة التامة بين المحق والإرباء:
صاغ القرآن مقابلة كونية وقدرية حاسمة بين مآلين متناقضين:
الربا: ظاهره النماء والزيادة الرقمية، لكن حكم الله وقدره عليه بالمحق والهلاك وذهاب البركة والخراب.
الصدقة: ظاهرها النقص المالي، لكن حكم الله وقدره عليها بالنماء والبركة والتكاثر والمضاعفة في الدنيا والآخرة.
محق حسي مادي: بالجوائح، والإفلاس، والأزمات المالية العالمية المتكررة (كالكساد الكبير والأزمات الائتمانية المعاصرة)، والحروب التي تدمر الثروات الربوية في لحظات، وما يعقبها من أمراض وتلف في نفوس أصحابها.
محق معنوي بركوي: وهو أشد وأعظم؛ فصاحب الربا مسلوب السكينة وراحة البال، يعيش في قلق مستمر وخوف من الخسارة، وتنزع البركة من صحته وأولاده وبيته، فيكون ماله وبالاً عليه في دنياه وسبباً لعذابه في أخراه، بينما اللقمة الحلال التي تؤكل من كسب طيب تفيض بالسعادة والطمأنينة.
إعجاز بديع في رد كيد المرابين؛ فالمرابي ظن أنه يمارس «الربا» (الزيادة)، فقلب الله ميزانه فمحقه، وجعل «الإرباء» الحقيقي في الصدقات التي كان يظنها نقصاً، فصارت الزيادة الحقيقية عند الله لا في جشع الإنسان.
صيغ المبالغة في ﴿كَفَّارٍ أَثِيمٍ﴾:
إشعار بأن المستمر في أكل الربا لا يكفيه ذنب واحد، بل ينغمس في بحار الكفران لنعم الله وتكرار الآثام الاجتماعية والمالية.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
اليقين بسنة المحق الإلهي للباطل:
يجب على المؤمنين ألا تفتنهم المظاهر البراقة للأموال المتضخمة من الحرام؛ فإن سنة الله الكونية تقضي بحتمية انهيارها ومحقها، وأن العاقبة والرسوخ للمال الطيب الحلال.
المداومة على الصدقات لاستنزال البركة:
الصدقة هي الحصن المنيع للمال، وبها يدفع البلاء وتستجلب البركات، فينبغي للمسلم أن يربي صدقاته بالإخلاص والاحتساب.