أخرج ابن جرير الطبري في «جامع البيان» (6/56)جامع البيانالطبري٦/٥٦ وابن أبي حاتم (الرقم: 2835)مصدر غير محددحديث رقم ٢٨٣٥ والحاكم (2/286)مصدر غير محدد٢/٢٨٦ وصححه ووافقه الذهبي، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ قال: «يُقال يوم القيامة لآكل الربا: خذ سلاحك للحرب!».
وروى ابن جرير عن ابن عباس أيضاً قال: «من كان مقيماً على الربا لا ينزع عنه، فحق على إمام المسلمين أن يستتيبه، فإن نزع وإلا ضرب عنقه».
وروى قتادة قال: «أوعدهم الله بالقتل كما تسمعون، وجعلهم بهرجاً أينما أتوا؛ فإياكم وما خالط هذه البيوع من الربا».
ضبط القراءات والروايات المتواترة:
قوله تعالى: ﴿فَأْذَنُوا﴾: قرأ حمزة وعاصم في رواية أبي بكر: ﴿فَآذِنُوا﴾ بمد الهمزة وكسر الذال، من الإيذان وهو الإعلام؛ أي فأعلِموا غيركم وأشيعوا الحرب، وقرأ الجمهور: ﴿فَأْذَنُوا﴾ بهمزة ساكنة مقصورة وفتح الذال، من الإذن وهو العلم؛ أي فكونوا على يقين وعلم بحرب قادمة لا هوادة فيها من الله ورسوله.
قوله تعالى: ﴿رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ﴾: رسمت بهمزتين أو واو مفردة، وقرأ الجمهور بالتحقيق، وأبو جعفر وابن كثير في الوقف بالإبدال والتسهيل بحسب قواعدهم.
قوله تعالى: ﴿لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾: قرأ القراء العشرة بفتح التاء في الأولى وضمها في الثانية مبنياً للمجهول: ﴿لَا تَظْلِمُونَ﴾ بأخذ الزيادة الربوية، ﴿وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ ببخس رؤوس أموالكم ونقصها.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
فَأْذَنُوا: الإذن في اللغة العلم بالشيء، يقال: أذِن بالشيء يأذن به إذناً إذا علم به، والمعنى: فاستيقنوا واعلموا، وقراءة ﴿فَآذِنُوا﴾ من الإيذان وهو إشعار الغير وإعلامه، أي أعلموا كل مرابٍ بحرب الله ورسوله.
بِحَرْبٍ: تنكير «حرب» للتهويل والتعظيم؛ أي بأي حرب عظيمة قاصمة لا طاقة لأحد بمواجهتها!
رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ: أصل المال الذي دفعه الدائن بلا زيادة ولا نقصان.
لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ: ميزان العدل المطلق؛ لا تظلمون المدين بطلب درهم فوق رأس مالكم، ولا تظلمون أنتم بالبخس أو الامتناع عن أداء أصل حقكم.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
أعنف وأقسى تهديد ووعيد في القرآن لمعصية عملية:
لم يرد في القرآن الكريم كله إعلان حرب من الله ورسوله على مرتكب معصية عملية كما ورد في حق المرابي؛ دلالة على أن جريمة الربا تدمر بنيان المجتمع الإسلامي وتستأصل شأفته وتفتك بفقرائه، فاستحق فاعلها محاربة الله ورسوله له في الدنيا والآخرة.
الردع الزجري المقرون بفتح باب التوبة والعدل:
رغم شدة الوعيد بالحرب، لم يسد القرآن باب الرجوع، بل عقبه فوراً ببيان الحكم العادل للتائبين: ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾؛ ليرسي دعائم العدل الاقتصادي الخالي من الإفراط والتفريط.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة: كيف يحارب الله ورسوله المرابين في الواقع؟:
المحاكمة الواقعية والشرعية: حرب الله ورسوله على المرابين تقع بأشكال متعددة:
الحرب القدرية الكونية: بالقلق النفسي، وتفكك الأسر، والجوائح المالية، والكساد، وتدمير الاقتصاديات المبنية على الربا، كما هو مشهود في الأزمات العالمية.
الحرب التشريعية السلطانية: إجبار الدولة الإسلامية للمرابين على التراجع، ومقاتلتهم إن امتنعوا بقوة السلاح كما قرر الصحابة والفقهاء؛ لأن من امتنع عن حكم قطعي بشوكة قوتل حتى يفيء إلى أمر الله.
الحرب الأخروية: قيامهم مجانين مصروعين وسحبهم إلى عذاب الجحيم.