الآية بيان تشريعي لحقوق الرضاع والحضانة والنفقة عند افتراق الزوجين بالطلاق أو عند قيام الزوجية، لئلا يتخذ الولد ذريعة للمكايدة بين الأبوين بعد الفراق.
أخرج ابن جرير الطبري في جامع البيان، وابن أبي حاتم في تفسيره (ج٢، ص٤٧٢) عن مجاهد وقتادة والضحاك قالوا: نزلت الآية في المطلقة التي لها ولد رضيع، فكانت تدفعه إلى أبيه نكاية به، أو كان الأب ينتزعه منها إضراراً بها؛ فبيّن الله أحكام الرضاع والنفقة، وألزم الأب بالرزق والكسوة، وأعطى الأم حق الرضاع والحضانة.
الآثار والمرويات التفسيرية المسندة:
أخرج البخاري في صحيحه (كتاب النكاح، باب من قال لا رضاع بعد حولين، حديث رقم ٥١٠٢) ومسلم في صحيحه (حديث رقم ١٤٥٥) من حديث عائشة رضي الله عنها، أن النبي ﷺ دخل عليها وعندها رجل، فتغير وجهه، فقالت: إنه أخي من الرضاعة، فقال: «انظرن مَن إخوانكن؛ فإنما الرضاعة من المجاعة».
وروى الترمذي (رقم ١١٥٢)مصدر غير محددحديث رقم ١١٥٢ وصححه، من حديث أم سلمة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله ﷺ: «لا يُحرم من الرضاع إلا ما فتق الأمعاء في الثدي، وكان قبل الفطام».
التخريج الحديثي وضبط الروايات:
استنباط علي بن أبي طالب وابن عباس رضي الله عنهما لأقل مدة الحمل (ستة أشهر): أخرج عبد الرزاق في المصنف (رقم ١٣٤٤٥)، والبيهقي في السنن الكبرى (ج٧، ص٤٤٢) بإسناد صحيح، أن عثمان رضي الله عنه أُتي بامرأة ولدت لستة أشهر فهمّ برجمها، فقال له علي رضي الله عنه: ليس لك ذلك؛ إن الله يقول: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾، وقال هنا: ﴿وَالْفِصَالُ فِي عَامَيْنِ﴾ [أو ﴿حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾]؛ فإذا طرحت أربعة وعشرين شهراً من ثلاثين شهراً بقي للحمل ستة أشهر! فرجع عثمان ودرأ عنها الحد.
*صحيحه* (كتاب النكاح، باب من قال لا رضاع بعد حولين، حديث رقم ٥١٠٢)مصدر غير محددحديث رقم ٥١٠٢*السنن الكبرى* (ج٧، ص٤٤٢)مصدر غير محدد٧/٤٤٢صحيح*صحيحه* (حديث رقم ١٤٥٥)مصدر غير محددحديث رقم ١٤٥٥*المصنف* (رقم ١٣٤٤٥)مصدر غير محددحديث رقم ١٣٤٤٥*تفسيره* (ج٢، ص٤٧٢)مصدر غير محدد٢/٤٧٢
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
الْوَالِدَاتُ
جمع والدة؛ والتعبير بالوالدة دون الزوجة أو المطلقة لتذكيرها بعاطفة الأمومة الفطرية وحنانها على وليدها.
حَوْلَيْنِ
الحول: السنة الكاملة، وسُمي حولاً لتحوُّل الأحوال وتبدلها فيه بدوران الفصول.
كَامِلَيْنِ
نعت مؤكد لرفع توهم المجاز أو التقريب؛ لأن العرب تطلق الحول على أكثره، فجاء التوكيد بـ ﴿كَامِلَيْنِ﴾ لبيان أن التحديد استقصائي تام لمن أراد أن يتم الرضاعة.
الْمَوْلُودِ لَهُ
هو الأب؛ وعُبِّر عنه بالمولود له للتنبيه على أن الولد ينسب إليه ويحمل اسمه ويتحمل نفقته.
فِصَالًا
الفطام وفصل الصبي عن الرضاع بالثدي إلى الطعام.
تَشَاوُرٍ
استخراج الرأي وتقليبه بين الطرفين لتحقيق المصلحة الفضلى للرضيع.
وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ
مبتدأ وجملة فعلية خبره لفظاً متضمن معنى الأمر؛ ﴿يرضعن﴾ مبني على السكون في محل رفع، ونون النسوة فاعل، ﴿أولادهن﴾ مفعول به ومضاف إليه.
حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ
ظرف زمان منصوب بالياء، و﴿كاملين﴾ نعت منصوب بالياء.
لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ
جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر ثانٍ أو بدل، وجملة ﴿أراد﴾ صلته، ﴿أن يتم﴾ مصدر مؤول مفعول به لأراد، ﴿الرضاعة﴾ قرأ الجمهور بفتح الراء وقرأ مجاهد بكسرها وهما لغتان.
قرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم وحمزة والكسائي ﴿لَا تُضَارَّ﴾ بفتح الراء مشددة وأصله لا تضارَرْ، وقرأ ابن عامر وأبو جعفر بسكون الراء مع التخفيف، والنهي يعود إما على الأم (لا تضارّ والدة فتلقي ولدها أو تطلب أكثر من حقها)، أو يعود على الأب (لا يضارّ الوالد فيمنع الأم من ولدها).
وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ
جار ومجرور خبر مقدم، ﴿مثل ذلك﴾ مبتدأ مؤخر.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
وجه المناسبة بين الآية وما قبلها:
بعد أن استوفى القرآن الكريم أحكام الطلاق والرجعة والعضل، انتقل إلى صيانة الثمرة المشتركة للزواج وهو "الطفل الرضيع"؛ فالطلاق فراق بين الزوجين لكنه لا يقطع صلة الأبوة والأمومة، فجاءت الآية لتضع دستوراً للحقوق والواجبات المترتبة على الحضانة والرضاع، قاطعاً دابر المكايدة والتنازع.
التناسب الداخلي وبناء الفاصلة القرآنية:
الجمع الفريد بين مصلحة الطفل النفسية والصحية ﴿حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾، وحق الأم في النفقة والكسوة، ورفع الحرج عن الأب ﴿لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا﴾.
اشتراط التراضي والتشاور في الفطام المبكر: ﴿عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ﴾؛ لتكون مصلحة الرضيع هي الحاكمة، وختم بالفاصلة ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ إشعاراً بأن أسرار البيوت وعواطف الآباء والأمهات تحت الرقابة الإلهية البصيرة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
حقوق الطفل في الإسلام وتفوق التشريع القرآني:
سبقت الآية كل المواثيق والاتفاقيات الدولية المعاصرة لحقوق الطفل بقرون متطاولة؛ فقررت للرضيع:
الحق في التغذية الطبيعية المتكاملة لمدة عامين كاملين لما أثبته الطب الحديث من احتواء حليب الأم على الأجسام المضادة والمناعة التامة للطفل.
صيانة أمنه النفسي من خلال منع النزاع بين الأبوين ومنع اتخاذه ورقة ضغط: ﴿لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ﴾.
استمرار كفالته المالية حتى لو مات الأب، بإلزام العصبة والوارث بالإنفاق: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾.
تحديد مدة الرضاع المحرِّم:
استدل جمهور الفقهاء (الشافعي ومالك وأحمد وأبو يوسف ومحمد بن الحسن) بهذه الآية الكريمة على أن الرضاع الذي تثبت به الحرمة وتنتشر به المحرمية هو ما كان داخل الحولين الكاملين؛ لقوله: ﴿حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾، فما كان بعد الحولين فهو طعام من الأطعمة لا يُحرِّم شيئاً.
البعد البياني والبلاغي والإشاري والتدبري
الأسرار البلاغية والبيانية:
الإيثار البلاغي للفظ ﴿الْمَوْلُودِ لَهُ﴾ بدلاً من "الوالد" أو "الأب"؛ للإشعار بعلة وجوب النفقة عليه، فالولد يولد لأجله وله غنمه وشرفه ونسبه، ومن كان له الغنم فعليه الغرم بنفقته ورزق أمه المرضع.
إضافة الولد إلى كل واحد منهما في مقام النهي عن المضارة: ﴿بِوَلَدِهَا﴾ و﴿بِوَلَدِهِ﴾ لاستعطاف قلبيهما وتذكيرهما بنعمة البنوة المشتركة، ولبيان أن هذا الطفل قطعة من كبديهما فلا يجوز أن يجعلاه وسيلة للأذى.
الإشارات الإيمانية ولطائف التدبر:
قال الإمام الزمخشري في الكشاف: «انظر إلى كمال الشريعة ورحمتها؛ كيف جمعت في آية واحدة بين رعاية حق الرضيع، وحق الأم المرضع، وحق الأب المنفق، وحق الوارث بعد موته، وجعلت مدار الفطام على التشاور والتراضي، فما أبدع هذا التنسيق وما أعظم هذه الرعاية!».
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الثمرات السلوكية والتطبيق المعاصر:
تجنيب الأطفال ويلات الخلافات الأسرية بعد الطلاق، وحرمة حرمان الأم من حضانة رضيعها أو ابتزازها بنفقته.
كتب سيد قطب في الظلال (ج١، ص٢٣٩): «هذا النص الدقيق يرسم حدود المجتمع التكافلي الراقي؛ حيث يحمي الطفل الضعيف في مهده، ويفرض نفقته على أبيه، فإن مات فعلى الوارث، حتى لا يضيع طفل ولا تجوع أم... ويحوط ذلك كله برقابة الله البصير الذي لا تخفى عليه خافية».
الدلائل والإشارات:
استحباب إتمام الرضاعة حولين كاملين لمن أراد الكمال: ﴿حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾.