وقد حرر أئمة التفسير المسند (ابن جرير الطبري في «جامع البيان»، وابن كثير في «تفسير القرآن العظيم»، والبغوي في «معالم التنزيل»):
سبب النزول وتحقيقه الإسنادي:
نزلت هذه الآية الكريمة بياناً لرخصة "صلاة الخوف" عند اشتداد الحرب ومواجهة العدو والتحام الصفوف، أو عند الخوف الشديد من سبع أو سيل أو حريق يعجز معه المصلي عن أداء الصلاة بهيئتها المعتادة في الركوع والسجود واستقبال القبلة.
أخرج البخاري في صحيحه (كتاب التفسير، باب قوله: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾، حديث رقم ٤٥٣٥) عن نافع أن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما كان إذا سُئل عن صلاة الخوف قال: «يصلي الإمام بطائفة... فإن كان خوفاً أشد من ذلك صلوا رِجالاً قياماً على أقدامهم أو رُكباناً، مستقبلي القبلة أو غير مستقبليها». قال نافع: لا أرى عبد الله بن عمر ذكر ذلك إلا عن النبي ﷺ.
الآثار والمرويات التفسيرية المسندة:
أخرج الإمام مالك في الموطأ (كتاب صلاة الخوف، حديث رقم ٤٣٣)، وأحمد في المسند (رقم ٦٠٨٥) عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال في صلاة الخوف: «مستقبلي القبلة وغير مستقبليها، يومئون إيماءً برؤوسهم»، وتلا هذه الآية: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾.
التخريج الحديثي وضبط الروايات:
حديث ثبوت صلاة الخوف عن رسول الله ﷺ في وقائع متعددة: أخرج البخاري ومسلم في صحيحيهما صلاة الخوف يوم ذات الرقاع، ويوم عسفان، ويوم بني قريظة على هيئات متعددة توافق أحوال الميدان العسكري.
*الموطأ* (كتاب صلاة الخوف، حديث رقم ٤٣٣)الموطأمالك بن أنسحديث رقم ٤٣٣*المسند* (رقم ٦٠٨٥)مسند الإمام أحمدأحمد بن حنبلحديث رقم ٦٠٨٥
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
خِفْتُمْ
الخوف: توقع مكروه عن أمارة مظنونة أو معلومة؛ والمراد هنا: الخوف من العدو المداهم أو الخطر المهلك للروح.
فَرِجَالًا
جمع راجل؛ يقال: راجل ورِجال ورَجْلى مثل قائم وقيام؛ والراجل هو الماشي على رجليه ضد الفارس والراكب.
رُكْبَانًا
جمع راكب، وهم ركاب الخيل والإبل والسيارات والمركبات.
أَمِنْتُمْ
الأمن: طمأنينة النفس وزوال الخوف والخطر.
فَاذْكُرُوا اللَّهَ
الذكر هنا يشمل إقامة الصلاة بأركانها وشروطها التامة من ركوع وسجود وقراءة وخشوع، وشكر الله على نعمة الأمن والسلامة.
فَإِنْ خِفْتُمْ
الفاء عاطفة، ﴿إن﴾ شرطية جازمة، ﴿خفتم﴾ فعل ماضٍ في محل جزم فعل الشرط، والتاء فاعل والميم للجمع.
فَرِجَالًا
الفاء واقعة في جواب الشرط، ﴿رجالاً﴾ حال منصوبة بالفتحة من ضمير فاعل محذوف تقديره: فصلوا رجالاً، والجملة في محل جزم جواب الشرط.
أَوْ رُكْبَانًا
﴿أو﴾ حرف عطف للتخيير أو للتقسيم والتنويع، ﴿ركباناً﴾ معطوف على رجالاً منصوب بالفتحة.
فَإِذَا أَمِنْتُمْ
الفاء عاطفة، ﴿إذا﴾ ظرف لما يستقبل من الزمان خافض لشرطه منصوب بجوابه، وجملة ﴿أمنتم﴾ مضاف إليها.
فَاذْكُرُوا اللَّهَ
الفاء رابطة، فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعل، واسم الجلالة مفعول به، والجملة جواب إذا.
كَمَا عَلَّمَكُمْ
الكاف حرف جر وتشبيه، ﴿ما﴾ مصدرية؛ والمصدر المؤول في محل جر متعلق بمحذوف مفعول مطلق لاذكروا؛ أي: ذكراً تاماً مثل ما علمكم، وجملة ﴿علّمكم﴾ صلة ما.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
وجه المناسبة بين الآية وما قبلها:
لما أمر الله بالمحافظة على الصلوات في الآية السابقة: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾، قد يظن ظان أن المحافظة تسقط أو تتعطل عند قيام الحروب والشدائد ومخاوف المعارك؛ فجاءت هذه الآية لتقرر أصلاً عظيماً: أن الصلاة لا تسقط بحال ما دام العقل ثابتاً، حتى في أشد لحظات الخوف ومقارعة السيوف؛ فإن عجزتم عن الصلاة التامة فصلوها كيفما استطعتم مشاة أو ركباناً بالإيماء.
التناسب الداخلي وبناء الفاصلة القرآنية:
المقابلة بين حال الشدة والخوف ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾، وبين حال السعة والأمن ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ﴾؛ فالتخفيف مشروط بوجود العذر، فإذا زال العذر عاد الحكم إلى كماله ووجب شكر المعلم الهادي سبحانه وتعالى.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
عظمة مكانة الصلاة في الشريعة الإسلامية:
تدل الآية دلالة قاطعة على أن الصلاة هي آكد أركان الإسلام العملية بعد الشهادتين؛ فالإسلام أسقط الصوم عن المريض والمسافر، وأسقط الحج عن غير المستطيع، وأسقط الزكاة عن الفقير، وأسقط الجهاد عن المعذور؛ ولكنه لم يُسقط الصلاة عن المجاهد وهو في فوهة المعركة والسهام تتطاير حوله؛ بل أمره أن يصليها راجلاً أو راكباً، مستقبلاً القبلة أو غير مستقبلها، مومئاً برأسه؛ فكيف يتجرأ مسلم صحيح معافى آمن في سربه على ترك الصلاة أو التهاون فيها؟!
تيسير الشريعة ومرونتها التشريعية عند النوازل:
تجسد صلاة الخوف قاعدة "المشقة تجلب التيسير"؛ حيث سقط عند الخوف الشديد: الركوع والسجود التام، واستقبال القبلة، والسكينة وترك الحركة؛ وأبيح المشي والركض وركوب الخيل واستدبار القبلة لحاجة الدفاع والقتال؛ دفعاً للضرر مع الحفاظ على روح العبادة والاتصال بالله.
البعد البياني والبلاغي والإشاري والتدبري
الأسرار البلاغية والبيانية:
الإيجاز بالحذف البديع في قوله ﴿فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾؛ حيث حذف الفعل (فصلوا) للعلم به من السياق، ولدلالة الحال على سرعة الاستجابة والمبادرة إلى الصلاة على أي هيئة.
إيثار لفظ ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ﴾ عند الأمن بدلاً من "فصلوا"؛ لبيان أن الصلاة في جوهرها وحقيقتها ذكر وتعظيم وتوحيد، ولتذكيرهم بشكر النعمة التي علّمهم الله إياها.
الإشارات الإيمانية ولطائف التدبر:
قال الإمام ابن القيم في زاد المعاد (ج١، ص٣٥٩): «الصلاة في حال الخوف قرة عين المجاهد وسلاحه الروحي؛ فإذا اضطربت الأرض والتحمت السيوف، كان فزع المؤمن إلى ربه في صلاته أعظم سبب للثبات والنصر ونزول السكينة».
*زاد المعاد* (ج١، ص٣٥٩)زاد المعاد في هدي خير العبادابن القيم١/٣٥٩
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الثمرات السلوكية والتطبيق المعاصر:
صلاة المرضى وأصحاب الأعذار ورجال الأمن والمرابطين في الثغور؛ بأداء الصلاة على أحوالهم دون تفريط.
شكر نعمة الأمن والاستقرار بأداء الصلاة في المساجد بخشوع وإتمام لأركانها.
شهادات الأعلام ورؤى المصلحين:
كتب الشيخ ابن عاشور في التحرير والتنوير: «في هذا التشريع إعلان صريح بأن الأمة المسلمة لا تنفصل صلتها بالله في سلم ولا حرب، وأن الصلاة هي وقود الروح ومعقد العزة حتى في أحرج ساعات الميدان».
الدلائل والإشارات:
مشروعية صلاة الخوف عند اشتداد الحرب والمخاطر: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾.
جواز أداء الصلاة مشياً وركوباً واستدباراً للقبلة وبالإيماء عند التحام القتال.
عدم سقوط الصلاة بحال عن المكلف ما دام عقله باقياً.
وجوب العودة إلى أداء الصلاة بهيئتها التامة وأركانها الكاملة عند زوال الخوف وحلول الأمن: ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ﴾.
التذكير بفضل الله ونعمته على العباد بما علمهم من معالم الشرع والهدى: ﴿كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾.