أخرج ابن جرير الطبري في جامع البيان، وابن أبي حاتم في تفسيره (ج٢، ص٥١٢) بإسناد حسن عن السدي قال: لما أنزل الله تعالى في الآية (٢٣٦): ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾، قال رجل من المسلمين: إن أحسنتُ متّعتُ، وإن لم أرد أن أحسن لم أفعل! فأنزل الله تعالى هذه الآية المحكمة العامة: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾، فألزم بها كل متقٍ لله تعالى.
الآثار والمرويات التفسيرية المسندة:
أخرج عبد الرزاق في المصنف (رقم ١٠٦٨٠)، والبيهقي في السنن الكبرى (ج٧، ص٢٥٧) بإسناد صحيح عن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه: أنه طلّق تماضر بنت الأصبغ الكلبية، فمتّعها بأَمَة (جارية قيمتها نفيسة).
وروى الشافعي في الأم (ج٥، ص٨١) والبيهقي بإسناد صحيح أن الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهما طلّق امرأة من قريش أو من خثعم، فمتّعها بعشرة آلاف درهم، فلما جاءها الرسول بالمال بكت وقالت: «متاعٌ قليلٌ من حبيبٍ مفارق!».
التخريج الحديثي وضبط الروايات:
أخرج البخاري في صحيحه (كتاب الطلاق، باب من طلّق وكيف يمتع، حديث رقم ٥٢٦٢) في قصة تطليق رسول الله ﷺ للجونية (أميمة بنت النعمان حين استعاذت بالله منه)، فقال النبي ﷺ لأبي أسيد الساعدي: «يا أبا أسيد، اكسُها رازِقِيَّتَيْنِ (ثوبين أبيضين كتانيين نفيسين)، وألحقها بأهلها»، وهذا تمييع وتطبيق عملي من النبي ﷺ لمتعة الطلاق.
*صحيحه* (كتاب الطلاق، باب من طلّق وكيف يمتع، حديث رقم ٥٢٦٢)مصدر غير محددحديث رقم ٥٢٦٢*السنن الكبرى* (ج٧، ص٢٥٧)مصدر غير محدد٧/٢٥٧صحيح*المصنف* (رقم ١٠٦٨٠)مصدر غير محددحديث رقم ١٠٦٨٠*تفسيره* (ج٢، ص٥١٢)مصدر غير محدد٢/٥١٢حسن*الأم* (ج٥، ص٨١)مصدر غير محدد٥/٨١صحيح
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
وَلِلْمُطَلَّقَاتِ
اللام للاستحقاق، وأل في المطلقات للجنس والاستغراق، فتشمل كل مطلقة: مدخولاً بها أو غير مدخول بها، سُمي لها مهر أو لم يُسمَّ.
مَتَاعٌ
اسم ما يُتمتع به من مال أو كسوة أو خادم أو طعام؛ والتنكير للتعظيم والاتساع بحسب القدرة.
بِالْمَعْرُوفِ
بما يليق بمثلها ومثل زوجها شرعاً وعرفاً دون شح ولا وكس.
حَقًّا
واجباً ثابتاً لازماً لا محيد عنه.
عَلَى الْمُتَّقِينَ
الذين يتقون عذاب الله بفعل أوامره واجتناب نواهيه.
وَلِلْمُطَلَّقَاتِ
الواو استئنافية أو عاطفة، والجار والمجرور متعلق بمحذوف خبر مقدم.
مَتَاعٌ
مبتدأ مؤخر مرفوع بالضمة الظاهرة.
بِالْمَعْرُوفِ
جار ومجرور متعلق بنعت لمتاع.
حَقًّا
مفعول مطلق مؤكد لمضمون الجملة السابقة بتقدير: حَقَّ ذلك حقاً، أو مفعول به لفعل مقدر (أوجب الله ذلك حقاً).
عَلَى الْمُتَّقِينَ
جار ومجرور متعلق بحقاً أو بنعت له.
النظم وتناسب الآيات والسياق
وجه المناسبة بين الآية وما قبلها:
تتويج تشريعي حاسم لكل ما تقدم من أحكام الطلاق؛ بعد أن ذكرت الآيات السابقة تفاصيل المتعة للمفوضة، وأنصبة المهور، وحقوق الرضاع والوفاة، جاءت هذه الآية العامة لتضع القاعدة الكلية الجامعة: كل فراق بين زوجين ينبغي أن يُختم بالمتعة والإحسان بالمعروف، جبراً للخواطر ورعاية للمودة المتبادلة وامتثالاً للتقوى.
التناسب الداخلي وبناء الفاصلة القرآنية:
الترقية البليغة: في الآية (٢٣٦) قال: ﴿حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾، وهنا في الآية (٢٤١) قال: ﴿حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾؛ لبيان أن المتعة ليست نافلة يتطوع بها أهل الإحسان فقط، بل هي أيضاً من أركان التقوى ولوازمها التي لا يستغني عنها مؤمن يخاف الله واليوم الآخر.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
الحكم الفقهي المستنبط: هل تجب المتعة لكل مطلقة؟:
اختلف أئمة المذاهب الفقهية في دلالة عموم هذه الآية:
مذهب الشافعي (في الجديد، وهو اختيار ابن حزم والظاهرية وطائفة من الصحابة والتابعين): أن المتعة واجبة لكل مطلقة، سواء دخل بها أو لم يدخل بها، فُرض لها مهر أو لم يُفرض؛ إلا المطلقة قبل الدخول وقد سُمي لها مهر فإن نصف المهر يغني عن المتعة؛ واستدلوا بصيغة العموم: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ﴾ وبقوله: ﴿حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾، والحق هو الواجب اللازم.
مذهب الجمهور (أبو حنيفة ومالك وأحمد في المشهور): أن الوجوب خاص بالمفوضة المطلقة قبل الدخول، أما سائر المطلقات فالمتعة لهن مستحبة ومندوبة مندوباً مؤكداً، وعموم اللفظ خرج مخرج الترغيب والحث على الفضل والإحسان.
والراجح التحقيقي: أن إعطاء المتعة لكل مطلقة هو مقتضى هدي القرآن، وأنه الواجب شرعاً أو المستحب المتأكد الذي ينبغي ألا يفرط فيه مسلم متقٍ عند فراق زوجته تطييباً لخاطرها وامتثالاً لأمر الله.
البعد البياني والبلاغي والإشاري والتدبري
الأسرار البلاغية والبيانية:
الاستغراق في ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ﴾ بأل الجنسية؛ ليدل على شمول الفضل لكل مطلقة، حتى لا تُحرم امرأة من نفحة الجبر والإحسان عند انكسار قلبها بالطلاق.
إيثار لفظ ﴿الْمُتَّقِينَ﴾؛ لربط هذا الحق المالي بوازع التقوى؛ لأن دفع المال عند الفراق والنفور النفسي ثقيل على النفوس الشحيحة، فلا يدفعها إليه برضا وطيب إلا التقوى ومراقبة الله.
الإشارات الإيمانية ولطائف التدبر:
قال الإمام ابن كثير في تفسيره (ج١، ص٦٢٨): «استدل بهذه الآية من ذهب إلى وجوب المتعة لكل مطلقة... ولا شك أن التمتيع شيمة أهل التقوى والمروءة؛ فمن طلق امرأته فليمتعها بما قدر عليه، فإن ذلك يطفئ جمرة الخلاف ويسل سخيمة الصدر».
*تفسيره* (ج١، ص٦٢٨)مصدر غير محدد١/٦٢٨
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الثمرات السلوكية والتطبيق المعاصر:
إحياء سنة تمتيع المطلقات في الواقع المعاصر، وجعل "المتعة" جزءاً أصيلاً من تسوية الحقوق الزوجية بعيداً عن الشح والتضييق.
تعزيز النظرة الإنسانية الكريمة للمرأة بعد الطلاق؛ فالطلاق في الإسلام فراق محترم مصحوب بالهدية والإكرام لا بالإهانة والجحود.
شهادات الأعلام ورؤى المصلحين:
كتب سيد قطب في الظلال (ج١، ص٢٤٧): «إن الإسلام يريد للبيوت أن تُبنى بالمعروف، فإن تعذر استمرارها فلتُفارق بالمعروف والإحسان؛ وهذا التشريع بالمتعة يمثل اللمسة البلسمية الشافية التي تضمد جراح المرأة وتصون كرامتها، ليكون الوداع كما كان اللقاء: طاعة لله وامتثالاً للتقوى».
الدلائل والإشارات:
تقرير استحقاق المطلقات للمتعة بالمعروف تطييباً لقلوبهن: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾.
عموم المتعة واستحبابها المؤكد (أو وجوبها) لكل مطلقة.
وصف بذل المتعة بأنه حق لازم على أهل التقوى: ﴿حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾.
إرساء مبادئ الشهامة والمروءة والتكريم عند إنهاء الرابطة الزوجية.