وقد حرر أئمة التفسير المسند (ابن جرير الطبري في «جامع البيان»، وابن كثير في «تفسير القرآن العظيم»، والبغوي في «معالم التنزيل»):
سبب النزول وتحقيقه الإسنادي:
أخرج الترمذي في جامعه (كتاب الطلاق، باب ما جاء في الرجعة بعد الطلاق الثلاث، حديث رقم ١١٩٢) وحسنه، والحاكم في المستدرك (ج٢، ص٢٠٥) وصححه ووافقه الذهبي، عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان الرجل يطلق امرأته ما شاء أن يطلقها وهي امرأته إذا راجعها وهي في العدة، وإن طلقها مائة مرة أو أكثر، حتى قال رجل لامرأته: والله لا أطلقك فتبيني، ولا آويك أبداً! قالت: وكيف ذلك؟ قال: أطلقك، فكلما همت عدتك أن تنقضي راجعتك! فذهبت المرأة حتى دخلت على عائشة فأخبرتها، فصمتت عائشة حتى جاء رسول الله ﷺ فأخبرته، فأنزل الله تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾، فاستقبل الناس الطلاق جديداً من يومئذٍ.
الآثار والمرويات التفسيرية المسندة:
أخرج البخاري في صحيحه (كتاب الطلاق، باب الخلع وكيف الطلاق فيه، حديث رقم ٥٢٧٣) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما: أن امرأة ثابت بن قيس بن شماس (جميلة بنت أُبَيّ) أتت النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله، ثابت بن قيس ما أعتب عليه في خُلُق ولا دين، ولكني أكره الكفر في الإسلام (أي كفران العشير وبغضه طبعاً مخافة ارتكاب المعصية)، فقال رسول الله ﷺ: «أتردين عليه حديقته؟» قالت: نعم، قال رسول الله ﷺ: «اقبل الحديقة وطلّقها تطليقة»، وهذا أول خُلع وقع في الإسلام ومصداق قوله: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾.
التخريج الحديثي وضبط الروايات:
أخرج النسائي في المجتبى (كتاب الطلاق، حديث رقم ٣٤٠١) بإسناد صحيح على شرط مسلم عن محمود بن لبيد رضي الله عنه قال: أُخبر رسول الله ﷺ عن رجل طلق امرأته ثلاث تطليقات جميعاً، فقام غضبان ثم قال: «أيُلعب بكتاب الله وأنا بين أظهركم؟!» حتى قام رجل فقال: يا رسول الله، ألا أقتله؟! وهو نص قاطع في تحريم الطلاق البدعي بجمع الطلقات الثلاث بلفظ واحد.
*جامعه* (كتاب الطلاق، باب ما جاء في الرجعة بعد الطلاق الثلاث، حديث رقم ١١٩٢)مصدر غير محددحديث رقم ١١٩٢*صحيحه* (كتاب الطلاق، باب الخلع وكيف الطلاق فيه، حديث رقم ٥٢٧٣)مصدر غير محددحديث رقم ٥٢٧٣*المجتبى* (كتاب الطلاق، حديث رقم ٣٤٠١)المجتبىالنسائيحديث رقم ٣٤٠١صحيح*المستدرك* (ج٢، ص٢٠٥)المستدرك على الصحيحينالحاكم النيسابوري٢/٢٠٥
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
الطَّلَاقُ
المراد الطلاق الرجعي الذي يملك فيه الزوج المراجعة مرتان لا أكثر.
مَرَّتَانِ
تثنية مَرَّة، وهي النوبة الواحدة؛ والمراد: طلقة بعد طلقة مفرقة في زمنين مختلفين لا بلفظ واحد مجموع.
﴿إلا﴾ أداة استثناء، ﴿أن يخافا﴾ مصدر مؤول في محل نصب على الاستثناء المنقطع أو المتصل، ﴿يخافا﴾ مضارع منصوب بالألف فاعله ضمير التثنية (الزوجان). وقرأ حمزة والكسائي وأبو جعفر وعاصم في رواية رويس ﴿إِلَّا أَنْ يُخَافَا﴾ بضم الياء مبنياً للمجهول، والمعنى: إلا أن يخاف الحكام والأولياء ألا يقيما حدود الله.
فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ
الفاء واقعة في جواب الشرط، ﴿لا﴾ نافية للجنس، ﴿جناح﴾ اسمها مبني على الفتح، ﴿عليهما﴾ خبرها، ﴿فيما﴾ متعلق بجناح أو بمحذوف، وجملة ﴿افتَدَت به﴾ صلته.
تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا
﴿تلك﴾ مبتدأ، ﴿حدود﴾ خبره، ﴿فلا تعتدوها﴾ نهي عن مجاوزة الحدود.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
وجه المناسبة بين الآية وما قبلها:
بعد أن قرر في الآية السابقة أن البعولة أحق بردهن، خشي أن يتخذ الرجال تلك الرخصة وسيلة للتعليق الجاهلي والإضرار بالمرأة وتكرار الطلاق بغير حصر؛ فجاء هذا التشريع ليقطع دابر الظلم: الطلاق الذي تملكون فيه الرجعة مرتان فقط؛ فإما أن تمسكوا بعد المرة أو المرتين بمعروف، أو تتركوها تطلق وتسرح بإحسان.
التناسب الداخلي وبناء الفاصلة القرآنية:
التقابل القرآني الرائع: قَرَن الإمساك بالمعروف ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ﴾، وقَرَن التسريح بالإحسان ﴿أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾؛ لأن المفارقة تحتاج إلى مزيد من اللطف والفضل والوفاء وجبر الخاطر بالمتعة والقول الكريم، حتى لا تنقلب الفرقة إلى عداوة وانتقام.
ختم الآية بالتحذير الصارم: ﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾؛ إشعاراً بأن التلاعب بأحكام الطلاق والخلع اعتداء على شريعة الله وظلم للنفس والمجتمع.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
حقيقة "المرتان" وحكم الطلاق البدعي الثلاث بلفظ واحد:
قال أئمة اللغة والفقه (ابن تيمية في الفتاوى ج٣٣، ص٨، وابن القيم في إغاثة اللهفان ج١، ص٣٠٠): قال الله: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ ولم يقل: "الطلاق تطليقتان"؛ والمرّة في كلام العرب لا تكون إلا واحدة بعد واحدة يتخللها زمان؛ كقولك: زرته مرتين، وأعطيته مرتين، فلا يقال لمن ضرب رجلاً ضربة واحدة: ضربه مرتين! فدل النص على أن من طلق ثلاثاً بلفظ واحد فقد خالف أمر الله وارتكب بدعة محرمة، وأنه لا يقع إلا طلقة واحدة كما كان على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر وصدر من خلافة عمر، وهو الراجح المفتى به في القوانين الشرعية المعاصرة دفعاً لخراب البيوت وتشتت الأسر.
مشروعية الخُلع وعلته وحكم أخذ الزوج أكثر من الصداق:
شرع الإسلام الخلع مخرجاً عادلاً للمرأة إذا كرهت البقاء مع زوجها واستحكم بغضها له وخافت ألا تؤدي حقه الشرعي، فأجاز لها أن تفتدي نفسها برد ما أخذته منه.
اختلف الفقهاء: هل يجوز للزوج أن يأخذ أكثر مما أعطاها؟ كره ذلك جمهور العلماء (مالك وأحمد والشافعي) واعتبروه مخالفاً للأولى ولظاهر حديث جميلة: «أتردين عليه حديقته؟ قال: لا تزدها»، وقال طائفة ببطلان الزيادة وتحريمها، بينما أجازه الحنفية مع الكراهة للزوج إذا كان النشوز من قبله.
قوله ﴿أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾؛ استعارة التسريح لانفصال الزوجة؛ ومجيء لفظ ﴿بِإِحْسَانٍ﴾ نكرة مع الإمساك بـ ﴿بِمَعْرُوفٍ﴾؛ للتنبيه على أن لحظة الفراق تقتضي زيادة في الفضل، وإعطاء المتعة، وحسن الثناء، وستر العيوب، وعدم إفشاء الأسرار.
التعبير بـ ﴿فَلَا تَعْتَدُوهَا﴾ في الأوامر والحدود؛ لأن حدود الله حرمات لا يجوز تخطيها ولا مجاوزتها.
الإشارات الإيمانية ولطائف التدبر:
قال الحسن البصري رحمه الله: «ما أنصف رجل زوجته إلا إذا أمسكها بمعروف، أو سرحها بإحسان؛ فالتسريح بالإحسان أن يؤدي إليها صداقها كاملاً، ويمتعها بفضل من ماله، ولا يذكرها بسوء بين الناس».
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الثمرات السلوكية والتطبيق المعاصر:
التزام الطلاق السني الشرعي المفرق، واجتناب التلفظ بالثلاث والطلاق المعلق وأيمان الطلاق التي يكثر منها العوام.
حفظ كرامة المرأة عند الخلع وحرمة ابتزاز الزوج لها أو إلجائها للخلع بالتضييق عليها وسوء عشرتها.
شهادات الأعلام ورؤى المصلحين:
كتب سيد قطب في الظلال (ج١، ص٢٣٣): «هذا النص يمثل عظمة التشريع الإسلامي ورقيه الأخلاقي؛ فلم يجعل الطلاق سوط عذاب مسلطاً على المرأة كما كان في الجاهلية، بل حصره في مرتين ليبقى للأمل موضع، فإن وقعت الثالثة كانت الفاصلة الحاسمة، مع الحفاظ على كرامة المرأة في الحالتين: إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان».
الدلائل والإشارات:
حصر الطلاق الرجعي في مرتين فقط: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾.
فرضية الاختيار بين أمرين عند المراجعة: الإمساك بالمعروف أو التسريح بالإحسان.
تحريم أخذ الزوج شيئاً من مهر الزوجة وعطاياها بغير رضاها: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا﴾.
مشروعية الخلع وافتداء المرأة لنفسها إذا خافت ألا تقيم حدود الله: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾.
التحذير الإلهي البالغ من تعدي حدود الله ووصف المعتدين بالظالمين: ﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾.