تكشف هذه الآية الكريمة بؤرة التحقيق الكبرى عن البديل الشيطاني الخبيث الذي اعتاض به اليهود عن كتاب الله المنبوذ؛ فلما ألقوا التوراة والقرآن وراء ظهورهم، انغمسوا في اتباع ما اختلقته وكذبته وتلته الشياطين في عهد وزمن ملك نبي الله سليمان عليه السلام؛ حيث زعمت الشياطين زوراً وبهتاناً أن سليمان ما دانت له الإنس والجن والريح والوحش إلا بسحر عظيم كتبه وأودعه تحت كرسيه! فنزه الله تعالى نبيه الكريم وبَرّأه براءة قطعية حاسمة: وما كفر سليمان وما تعاطى السحر ولا رضي به؛ فالأنبياء معصومون من الشرك والسحر والكبائر؛ ولكن الشياطين هم الذين كفروا بالله بتعليمهم الناس السحر وإضلالهم؛ واتبع اليهود أيضاً ما أُنزل أو ما نُسب إلى الملكين الكائنين بأرض بابل بالعراق وهما هاروت وماروت؛ واللذان أنزلهما الله فتنة وابتلاءً واختباراً للعباد ليميزوا بين سحر الكهنة وبين معجزات الأنبياء؛ فما كان الملكان يعلمان أحداً حتى ينصحاه بلسان الإنذار والتجرد: إنما نحن ابتلاء وامتحان واختبار من الله لك فلا تكفر بتعلم السحر واستعماله في الشر؛ فكان المنحرفون يتركون النصيحة ويقبلون على تعلم ما يفرقون به بين الرجل وزوجته خبثاً وتخريباً للأسر؛ وما أولئك السحرة بقادرين على إيصال الضر لأحد من الخلق إلا بقضاء الله وإذنه الكوني القدري؛ فيتعلمون ما يمحو إيمانهم ويضرهم في آخرتهم ولا ينفعهم في دنياهم؛ ولقد علم اليهود علماً يقيناً من نصوص كتبهم أن من استبدل السحر بدين الله ما له في الدار الآخرة من نصيب ولا حظ في الجنة؛ ولبئس البدل والخسارة التي باعوا بها حظوظ أنفسهم وهلاكهم لو كانوا يعملون بمقتضى علمهم الحقيقي.