وقد حرر أئمة التفسير المسند (ابن جرير الطبري في «جامع البيان»، وابن كثير في «تفسير القرآن العظيم»، والبغوي في «معالم التنزيل»):
سبب النزول وتحقيقه الإسنادي:
أخرج مسلم في صحيحه (كتاب الحيض، باب جواز غسل الحائض رأس زوجها وترجيله، حديث رقم ٣٠٢)، والترمذي (رقم ٢٩٧٧)مصدر غير محددحديث رقم ٢٩٧٧، وأحمد في المسند (رقم ١٢٣٦٤) من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه: أن اليهود كانوا إذا حاضت المرأة فيهم لم يؤاكلوها ولم يجامعوهن في البيوت (أي يخرجونها من البيت كالمجذومة)، فسأل أصحاب النبي ﷺ النبي ﷺ، فأنزل الله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ...﴾ الآية، فقال رسول الله ﷺ: «اصنعوا كل شيء إلا النكاح» (أي الجماع في الفرج).
فبلغ ذلك اليهود فقالوا: ما يريد هذا الرجل أن يدع من أمرنا شيئاً إلا خالفنا فيه! فجاء أسيد بن حضير وعباد بن بشر فقالا: يا رسول الله، إن اليهود تقول كذا وكذا، أفلا نجامعهن في المحيض؟ فتغير وجه رسول الله ﷺ حتى ظن الصحابة أنه قد غضب عليهما، فخرجا فاستقبلتهما هدية من لبن إلى النبي ﷺ فأرسل في آثارهما فسقاهما، فعرفا أنه لم يغضب عليهما.
الآثار والمرويات التفسيرية المسندة:
أخرج البخاري في صحيحه (كتاب الحيض، باب مباشرة الحائض، حديث رقم ٣٠٠) ومسلم في صحيحه (حديث رقم ٢٩٣) عن عائشة رضي الله عنها قالت: «كانت إحدانا إذا كانت حائضاً، فأراد رسول الله ﷺ أن يباشرها، أمرها أن تأتزر في فور حيضتها ثم يباشرها».
التخريج الحديثي وضبط الروايات:
حديث كفارة من وطئ امرأته وهي حائض: أخرجه أحمد (رقم ٢٠٣٢)مصدر غير محددحديث رقم ٢٠٣٢، وأبو داود (رقم ٢٦٤)مصدر غير محددحديث رقم ٢٦٤، والترمذي (رقم ١٣٧)مصدر غير محددحديث رقم ١٣٧ وصححه الحاكم والنووي، عن ابن عباس رضي الله عنهما، عن النبي ﷺ في الذي يأتي امرأته وهي حائض قال: «يتصدق بدينار أو بنصف دينار».
*صحيحه* (كتاب الحيض، باب جواز غسل الحائض رأس زوجها وترجيله، حديث رقم ٣٠٢)مصدر غير محددحديث رقم ٣٠٢*صحيحه* (كتاب الحيض، باب مباشرة الحائض، حديث رقم ٣٠٠)مصدر غير محددحديث رقم ٣٠٠*صحيحه* (حديث رقم ٢٩٣)مصدر غير محددحديث رقم ٢٩٣*المسند* (رقم ١٢٣٦٤)مسند الإمام أحمدأحمد بن حنبلحديث رقم ١٢٣٦٤
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
الْمَحِيضِ
مصدر ميمي أو اسم زمان أو مكان من حاضت المرأة تحيض حيضاً ومحيضاً؛ وأصل الحيض في اللغة: السيلان والانفجار؛ يقال: حاض السيل إذا فاض، وحاضت الشجرة إذا سال صمغها. والمراد به هنا: دم الحيض المعروف، أو زمانه، أو موضعه (الفرج).
أَذًى
كل ما يضر الإنسان أو يستقذره طبعاً من قذارة ونجاسة وألم وريح كريهة ومضرة صحية.
فَاعْتَزِلُوا
الاعتزال: التنحي والترك والمباعدة؛ والمراد ترك الوطء في الفرج بإجماع المسلمين.
يَطْهُرْنَ
قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وعاصم ﴿يَطْهُرْنَ﴾ بسكون الطاء وضم الهاء مخففاً، ومعناه: انقطاع دم الحيض؛ وقرأ حمزة والكسائي وشعبة ﴿يَطَّهَّرْنَ﴾ بفتح الياء والطاء والهاء مشددتين، ومعناه: يغتسلن بالماء بعد انقطاع الدم.
تَطَهَّرْنَ
الاغتسال بالماء وإزالة النجاسة استجابة للشرع.
حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ
موضع النسل والحرث (القبل) الذي أحل الله الإتيان فيه وحرم غيره.
وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ
الواو استئنافية، فعل ومفعول به وفاعل، وجار ومجرور متعلقان بالفعل.
الفاء فصيحة، ﴿اعتزلوا﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعل، ﴿النساء﴾ مفعول به، ﴿في المحيض﴾ جار ومجرور متعلق باعتزلوا، والظرفية إما زمانية (في زمن الحيض) أو مكانية (في موضع الحيض وهو الفرج).
وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ
الواو عاطفة مؤكدة، ﴿لا﴾ ناهية جازمة، ﴿تقربوهن﴾ مضارع مجزوم بحذف النون والهاء مفعول به، ﴿حتى﴾ حرف غاية، ﴿يطهرن﴾ مضارع مبني على السكون في محل نصب بأن مضمرة.
فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ
الفاء استئنافية، ﴿إذا﴾ ظرف لما يستقبل من الزمان خافض لشرطه منصوب بجوابه، ﴿تطهرن﴾ فعل وفاعل والجملة مضاف إليها، الفاء رابطة، ﴿ائتوهن﴾ فعل أمر مبني على حذف النون والواو فاعل والهاء مفعول به، والجملة جواب الشرط.
مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ
جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بالفعل ائتوهن؛ أي من الموضع الذي أحل الله وهو القبل، أو بالوجه الذي أذن فيه.
جملة تعليلية؛ التوابين من الذنوب والمتطهرين من الأحداث والأنجاس والقاذورات.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
وجه المناسبة بين الآية وما قبلها:
بعد أن بين الله أحكام اختيار الزوجة والمصاهرة، شرع في تفصيل أحكام المعاشرة الزوجية والصلة الجسدية بين الزوجين، وما يحل منها وما يحرم، موضحاً آداب الطهارة والنزاهة الإنسانية التي تميز المجتمع المسلم عن إفراط اليهود وتفريط غيرهم.
التناسب الداخلي وبناء الفاصلة القرآنية:
التوسط الإسلامي الفريد بين غلو اليهود الذين ينبذون الحائض تماماً، وبين تفريط النصارى الذين يجامعونها دون مبالاة بالنجاسة والأذى؛ فجاء الإسلام بالقصد والعدل: حرم موضع الأذى فقط وأباح ما سواه.
ختام الآية بالترغيب في المحبة الإلهية: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾؛ جمعاً بين طهارة الباطن بالتوبة من المعاصي، وطهارة الظاهر بالماء والغسل من النجاسات.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
الإعجاز الطبي والتشريعي في وصف الحيض بالأذى:
أثبت الطب الحديث والعلوم البيولوجية دقة اللفظ القرآني المعجز: ﴿قُلْ هُوَ أَذًى﴾؛ فدم الحيض يحمل خلايا ميتة وإفرازات بكتيرية ضارة، وعنق الرحم يكون متسعاً أثناء الحيض مما يجعله عرضة لامتصاص البكتيريا وإصابة المرأة بالتهابات الحوض والعقم، فضلاً عن إصابة الرجل بالتهابات المجاري التناسلية الحادة؛ فحرم الإسلام الجماع في هذا الوقت حماية لصحة المرأة وسلامة الرجل.
توجيه القراءتين في ﴿يَطْهُرْنَ﴾ و﴿يَطَّهَّرْنَ﴾ وفقه المسألة:
جمع أئمة الفقه بين القراءتين: فذهب الجمهور (مالك والشافعي وأحمد) إلى أنه لا يحل وطء الحائض بمجرد انقطاع الدم حتى تغتسل بالماء؛ لأن الله قال بعد ذلك: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ﴾، والتطهر بالماء هو الغاية المشروطة للحل. وذهب أبو حنيفة إلى أنه إن انقطع الدم لأكثر مدة الحيض (عشرة أيام عنده) حل وطؤها ولو لم تغتسل، وإن كان لأقل من ذلك لم يحل إلا بالاغتسال؛ والقول الأول هو الأقوى دليلاً وأحوط للدين.
البعد البياني والبلاغي والإشاري والتدبري
الأسرار البلاغية والبيانية:
الإيجاز الإعجازي في قوله ﴿قُلْ هُوَ أَذًى﴾؛ حيث حصر الجواب في كلمتين تقرران العلة الطبية والشرعية، وترتب عليها الحكم بالفاء الفصيحة ﴿فَاعْتَزِلُوا﴾.
الكناية اللطيفة في قوله ﴿فَأْتُوهُنَّ﴾ و﴿لَا تَقْرَبُوهُنَّ﴾؛ ترفعاً عن الألفاظ الصريحة المستبشعة في شأن المعاشرة الخاصة، وهو من أسمى آداب القرآن التعبيرية.
الإشارات الإيمانية ولطائف التدبر:
قال الإمام ابن القيم في زاد المعاد (ج٤، ص٣٥٥): «تأمل كيف علل المنع بكونه أذى، فدل على أن كل ما كان أذى وضاراً بالعبد في بدنه أو دينه فهو محرم في شريعة الله، ولما كان الحيض أذى عارضاً رتب عليه حكماً مؤقتاً يزول بزواله وتطهره».
*زاد المعاد* (ج٤، ص٣٥٥)زاد المعاد في هدي خير العبادابن القيم٤/٣٥٥
حسن العشرة مع المرأة أثناء عذرها الشرعي، ومؤانستها وإكرامها، اقتداءً بالنبي ﷺ في مباشرته لنسائه دون جماع.
شهادات الأعلام ورؤى المصلحين:
كتب الشيخ ابن عاشور في التحرير والتنوير: «إن في هذا التشريع إبطالاً لأوهام الجاهلية واليهودية، وإقراراً لكرامة المرأة الإنسانية؛ فلم يجعلها نجسة الذات كما زعموا، وإنما صان بدنها وصحتها ورفع عنها العنت بمراعاة طبيعتها الفسيولوجية».