أخرج ابن جرير الطبري (5/534)مصدر غير محدد٥/٥٣٤ وابن أبي حاتم (الرقم: 2712)مصدر غير محددحديث رقم ٢٧١٢ عن مجاهد وقتادة في قوله: ﴿وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ قالا: «احتساباً ويقيناً وتصديقاً بأن الله سيجزيهم بها، وقيل: تثبيتاً لأنفسهم على طاعة الله والبذل في سبيله».
وعن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿فَطَلٌّ﴾ قال: «الطل: المطر الخفيف الندى، والوابل: المطر الشديد، والمعنى: أن هذه الجنة مثمرة زكية على كل حال، إن أصابها مطر غزير أضعفت، وإن أصابها رذاذ خفيف كفاها لزكاء تربتها وطيب مائها».
ضبط القراءات والروايات المتواترة:
قوله تعالى: ﴿بِرَبْوَةٍ﴾: قرأ عاصم وحمزة والكسائي وخلف بفتح الراء: ﴿بِرَبْوَةٍ﴾، وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر وأبو جعفر ويعقوب بضم الراء: ﴿بِرُبْوَةٍ﴾، وهما لغتان فصيحتان في المكان المرتفع المستوي من الأرض.
قوله تعالى: ﴿أُكُلَهَا﴾: قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وعاصم ويعقوب بضم الكاف والهمزة: ﴿أُكُلَهَا﴾، وقرأ أبو جعفر وابن عامر وحمزة والكسائي وخلف بإسكان الكاف: ﴿أُكْلَهَا﴾ للتخفيف.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ: مفعول لأجله، والابتغاء طلب الشيء بحرص وعزم، والمرضاة مصدر ميمي بمعنى الرضا، أي طلباً لرضوان الله وتجنباً لسخطه.
وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ: «تثبيتاً» معطوف على ابتغاء، و«مِنْ» لابتداء الغاية أو للبيان، والتثبيت هو توطين النفس وإلزامها بالبذل بعد مجاهدة ترددها وشحها، حتى يصير الجود لها سجية ثابتة وطمأنينة راسخة.
جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ: الجنة البستان ذو الأشجار الكثيفة الملتفة التي تجن الأرض (تسترها)، والربوة المكان المرتفع الطيب التربة، وتخصيص الربوة لأن أشجار المرتفعات تكون أحسن نمواً، وأصفى ثماراً، وأشد تعرضاً لنور الشمس والرياح، وأسلم من عفونة المياه الراكدة.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
المقابلة التامة بين المثلين العظيمين:
قابل القرآن مشهد المنافق والمرائي في الآية السابقة (264) بمشهد المؤمن المخلص في هذه الآية:
هناك: حجر صلد عليه تراب تافه جرفه الوابل فتركه يابساً أصلد.
هنا: جنة وارفة في ربوة عالية خصبة، إن نزل عليها الوابل تضاعفت ثمارها، وإن لم ينزل وابل كفاها الطل الخفيف لخصوبة تربتها وحسن موقعها.
ختام الآية بـ ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾:
بصير بحركات النفوس وما تنطوي عليه الضمائر عند الإنفاق، وبصير بمقدار العطاء وقيمته، فلا يخفى عليه خافية.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة التفاوت في العطاء ومقدار الجزاء:
قد يظن المسكين قليل المال أن نفقته لا تبلغ ثواب الأغنياء أصحاب الأموال الطائلة.
البرهان القرآني: مثل الجنة بالربوة أثبت أن المؤمن المخلص نفقته رابحة نامية مباركة على كل حال؛ فإن كان ماله كثيراً فنفقته كالوابل تثمر ضعفين، وإن كان فقيراً لا يملك إلا القليل فنفقته كالطل تكفي لنماء حسناته وبلوغه أعلى الدرجات، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «سَبَقَ دِرْهَمٌ مِائَةَ أَلْفِ دِرْهَمٍ» (رواه النسائي: 2527 وحسنه الألباني).
الروعة البيانية في وصف ﴿فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ﴾:
التعبير بـ «ضعفين» يفيد تضاعف المحصول أضعافاً مضاعفة، دلالة على فيض النعمة والبركة التي تحل بالعمل الخالص المستقر على التقوى.
تثبيت النفس وتزكيتها:
قوله ﴿وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ إشارة نفسية بليغة إلى أن النفس البشرية قد تنازع صاحبها عند إخراج المال وتوسوس له بالفقر، فإذا استعلى بإيمانه وثبت قلبه استقرت النفس على العطاء وصارت سخية مطمئنة.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
استدامة البذل في المنشط والمكره:
المؤمن لا ينقطع عن الصدقة سواء كان في سعة من الرزق (فيصيب نفقته وابل) أو في ضيق وعسر (فيصيب نفقته طل)، فباب التجارة مع الله مفتوح في كل الأحوال.
الاطمئنان إلى كفاية القليل مع الإخلاص:
لا يحقرن المسلم شيئاً من المعروف ولو كان قليلاً؛ فإن طل الإخلاص ينبت رياض الحسنات المضاعفة في جنان الخلد.