أخرج ابن أبي حاتم في تفسيره (ج٢، ص٤٤٥)، وأبو داود في الناسخ والمنسوخ بإسناد حسن عن السدي قال: كان الرجل في الجاهلية يطلق امرأته متى شاء ثم يراجعها متى شاء وإن طلقها مائة مرة، وكان يعمد إلى إضرارها، فإذا كادت عدتها أن تنقضي راجعها ثم طلقها، فأنزل الله تعالى هذه الآيات لتنظيم العدة وحصر الرجعة، وبيان حقوق المرأة والرجل.
وروى ابن جرير الطبري (ج٤، ص٤٣٤)مصدر غير محدد٤/٤٣٤ عن قتادة في قوله: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾: كانت المرأة تكتم الحمل لتلحق الولد بزوجها الجديد أو تسقط حق الأول في الرجعة، أو تكتم الحيض لتعجل انقضاء العدة أو تطيلها، فنهاهن الله عن ذلك وتوعدهن.
الآثار والمرويات التفسيرية المسندة:
أخرج ابن ماجه في سننه (حديث رقم ٢٠٦٩) والدارقطني (ج٣، ص٣٠٨)مصدر غير محدد٣/٣٠٨ من حديث ابن عباس رضي الله عنهما في بيان القروء، وروي عن عائشة وابن عمر وزيد بن ثابت خلاف الصحابة المشهور في القروء: هل هي الحيض أم الأطهار؟
وروى البخاري في صحيحه (كتاب النكاح، باب الوصاة بالنساء، حديث رقم ٥١٨٦) ومسلم في صحيحه (حديث رقم ١٤٦٨) عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي ﷺ قال: «استوصوا بالنساء خيراً؛ فإن المرأة خُلقت من ضِلَع، وإن أعوج شيء في الضلع أعلاه، فإن ذهبت تقيمه كسرته، وإن تركته لم يزل أعوج، فاستوصوا بالنساء خيراً».
التخريج الحديثي وضبط الروايات:
أخرج أحمد في المسند (رقم ٢٠٠١٤)، وأبو داود (رقم ٢١٤٢)مصدر غير محددحديث رقم ٢١٤٢، والترمذي (رقم ١١٦٣)مصدر غير محددحديث رقم ١١٦٣ وحسنه، عن معاوية بن حيدة القشيري رضي الله عنه قال: قلت: يا رسول الله، ما حق زوجة أحدنا عليه؟ قال: «أن تطعمها إذا طعمت، وتكسوها إذا اكتسيت، ولا تضرب الوجه، ولا تُقَبِّح، ولا تهجر إلا في البيت»، وهذا أصل في تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾.
*صحيحه* (كتاب النكاح، باب الوصاة بالنساء، حديث رقم ٥١٨٦)مصدر غير محددحديث رقم ٥١٨٦*صحيحه* (حديث رقم ١٤٦٨)مصدر غير محددحديث رقم ١٤٦٨*سننه* (حديث رقم ٢٠٦٩)مصدر غير محددحديث رقم ٢٠٦٩*المسند* (رقم ٢٠٠١٤)مسند الإمام أحمدأحمد بن حنبلحديث رقم ٢٠٠١٤*تفسيره* (ج٢، ص٤٤٥)مصدر غير محدد٢/٤٤٥حسن
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
الْمُطَلَّقَاتُ
جمع مطلقة، اسم مفعول من طُلِّقت؛ والمراد هنا: المطلقات المدخول بهن ذوات الحيض؛ لأن غير المدخول بهن لا عدة عليهن بنص سورة الأحزاب ﴿فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾، والحوامل عدتهن وضع الحمل بنص سورة الطلاق، والآيسات والصغيرات عدتهن ثلاثة أشهر.
يَتَرَبَّصْنَ
التربص: الانتظار والتأني؛ والخبر هنا لفظاً متضمن معنى الأمر والوجوب؛ أي ليتربصن وجوباً حتماً.
قُرُوءٍ
جمع قَرْء أو قُرْء، وهو من ألفاظ المشترك والضد في لسان العرب؛ يطلق على الحَيْض ويطلق على الطُّهْر؛ وأصله في اللغة: الجمع والانتقال والوقت؛ يقال: قرأت الماء في الحوض إذا جمعته، وهبت الريح لقارئها أي لوقتها.
بُعُولَتُهُنَّ
جمع بَعْل وهو الزوج السيد القائم بأمر أهله؛ وسمي الزوج بعلاً لعلوه وقيامه بالنفقة كالنخل البعل الذي يستغني بماء السماء.
بِالْمَعْرُوفِ
ما تعارف عليه أهل الفضل والدين واستحسنته العقول السليمة وتوافق مع مقاصد الشرع دون إفراط ولا تفريط.
دَرَجَةٌ
المنزلة والرتبة الزائدة؛ والمراد هنا: القوامة والإنفاق والرياسة الأسرية والمسؤولية القيادية التي كلف الله بها الرجل.
وَالْمُطَلَّقَاتُ
الواو استئنافية، مبتدأ مرفوع بالضمة الظاهرة.
يَتَرَبَّصْنَ
فعل مضارع مبني على السكون لاتصاله بنون النسوة في محل رفع، ونون النسوة فاعل، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ (صيغته خبر ومعناه أمر مؤكد).
بِأَنْفُسِهِنَّ
جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بيتربصن.
ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ
﴿ثلاثة﴾ ظرف زمان منصوب متعلق بيتربصن (أو مفعول به على السعة)، وهو مضاف، و﴿قُرُوءٍ﴾ مضاف إليه مجرور.
وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ
الواو عاطفة، ﴿لا﴾ نافية، ﴿يحل﴾ مضارع مرفوع، ﴿لهن﴾ متعلق به، ﴿أن يكتمْن﴾ مصدر مؤول في محل رفع فاعل يحل.
مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ
﴿ما﴾ اسم موصول مفعول به ليكتمن، وجملة ﴿خلق الله﴾ صلته، ﴿في أرحامهن﴾ متعلق بخلق.
وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ
﴿بعولتهن﴾ مبتدأ ومضاف إليه، ﴿أَحَقُّ﴾ خبر المبتدأ مرفوع، ﴿بردهن﴾ متعلق بأحق، ﴿في ذلك﴾ متعلق بالرد أو بأحق (أي في مدة العدة).
إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا
شرط حذف جوابه لدلالة ما قبله عليه؛ أي إن أرادوا بإرجاعهن الإصلاح والمودة لا المضارة وتطويل العدة.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
وجه المناسبة بين الآية وما قبلها:
لما قرر الله عزم الطلاق في الآية السابقة: ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾، شرع هنا في بيان ما يترتب على وقوع الطلاق من آثار تشريعية وحقوقية: مدة العدة والتربص، وحق الرجعة، وميثاق الحقوق والواجبات المتبادلة بين الزوجين، وقوامة الرجل ومسؤوليته.
التناسب الداخلي وبناء الفاصلة القرآنية:
الميزان البديع العادل في قوله: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾؛ فقرر تماثل الحقوق والواجبات في أصل المعاشرة والإكرام، ثم جعل درجة القوامة للرجل مسؤولية وغرماً وتكليفاً لا تشريفاً واستبداداً، وختم بالفاصلة ﴿عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ لردع كل من يتعسف في استعمال هذه الدرجة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
المحاكمة الفقهية في معنى "القروء" بين الحنفية والمالكية والشافعية:
مسألة أصولية كبرى دارت حول المشترك اللغوي في ﴿ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾:
مذهب الشافعية والمالكية ورواية عن أحمد (وهو قول عائشة وزيد بن ثابت وابن عمر): أن الأقراء هي الأطهار؛ واستدلوا بـ:
تأنيث العدد ﴿ثَلَاثَةَ﴾؛ والمعدود المذكر هو الطُّهْر (ثلاثة أطهار)، ولو كانت حيضاً لقيل: ثلاث قروء لأن الحيضة مؤنثة.
قوله تعالى في سورة الطلاق: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾؛ أي في طهر لم يجامعها فيه، فدل على أن الطهر هو العدة.
مذهب الحنفية والحنابلة (وهو قول عمر وعلي وابن مسعود وابن عباس): أن الأقراء هي الحِيَض؛ واستدلوا بـ:
قوله ﷺ للمستحاضة في الحديث الصحيح: «دعي الصلاة أيام أقرائك»، ولا تُترك الصلاة إلا في الحيض.
أن المقصد الأكبر من العدة براءة الرحم، وبراءة الرحم إنما تتبين بالحيض لا بالطهر.
الدستور القرآني الخالد في حقوق المرأة والرد على دعاوى الانتقاص:
تمثل جملة ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ أعظم وثيقة دستورية عرفتها البشرية في تحرير المرأة وإثبات شخصيتها واستقلالها وحقوقها؛ فالمرأة ليست خادمة ولا سلعة، بل هي شريكة حياة لها من الحقوق المكافئة تماماً لما عليها من الواجبات بحكم المعروف الشرعي والعرفي.
والدرجة المذكورة للرجل ﴿وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ ليست درجة أفضلية ذاتية ولا استعلاء، بل هي درجة القيادة والإنفاق وتحمل أعباء الدفاع والمسؤولية النهائية لحفظ السفينة الأسرية من الغرق.
التعبير بالجملة الخبرية ﴿يَتَرَبَّصْنَ﴾ بدلاً من صيغة الأمر المباشرة (ليتربصن)؛ وهو أسلوب عربي رفيع في البلاغة يفيد أن الأمر محتوم مفروغ منه كأنه واقع بالفعل في الوجود الخارجي لا محالة.
إضافة التربص إلى أنفسهن ﴿بِأَنْفُسِهِنَّ﴾؛ إشعاراً بأن على المرأة أن تكون هي الرقيبة على نفسها وحابسة لذاتها، تكريماً لإرادتها وتأكيداً على أمانتها.
الإشارات الإيمانية ولطائف التدبر:
كان حبر الأمة عبد الله بن عباس رضي الله عنهما يقول: «إني لأحب أن أتزين لامرأتي كما أحب أن تتزين لي؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾».
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الثمرات السلوكية والتطبيق المعاصر:
أداء الحقوق الزوجية المتبادلة بروح الفضل والمودة قبل التحاكم إلى النصوص والمحاكم.
أمانة المرأة في الإخبار الصادق عن أحوال حيضها وحملها، وتنزيه البيوت عن الكذب والخديعة عند الخلاف.
شهادات الأعلام ورؤى المصلحين:
كتب الطاهر بن عاشور في التحرير والتنوير: «هذه الكلمة: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ كلمة جامعة أصلت لقواعد المعاشرة الزوجية في الإسلام؛ فلم تترك جانباً من جوانب الحياة الأسرية إلا وأدخلته تحت هذا الميزان القسط؛ مساواة في الكرامة الإنسانية وفي الحقوق المقابلة، مع مراعاة خصائص كل جنس ووظيفته الفطرية».
الدلائل والإشارات:
فرضية العدة على المطلقة المدخول بها من ذوات الحيض: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾.
تحريم كتمان ما في الأرحام من حمل أو حيض: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ﴾.
ثبوت حق الزوج في إرجاع زوجته في الطلاق الرجعي ما دامت في العدة: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾.
تقييد حق الرجعة بإرادة الإصلاح والمعاشرة بالمعروف: ﴿إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا﴾.
التقرير الإلهي الجامع للمماثلة العادلة بين حقوق النساء وواجباتهن: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾.
ثبوت درجة القوامة والمسؤولية القيادية والإنفاق للرجال: ﴿وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾.