الآية الكريمة سيقت في سياق الإنكار والتهديد لأولئك الذين لم يدخلوا في السلم كافة، والذين زلوا بعد مجيء البينات؛ فكأنهم بقعودهم وتمردهم لا ينتظرون إلا قيام الساعة وحلول يوم الفصل ونزول القضاء الحتمي.
أخرج ابن جرير الطبري في جامع البيان عن ابن جريج في قوله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ﴾ قال: «ذلك يوم القيامة، حين يقضي الله بين عباده».
الآثار والمرويات التفسيرية المسندة:
أخرج البخاري في صحيحه (كتاب التوحيد، باب قول الله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾، حديث رقم ٧٤٣٧)، ومسلم في صحيحه (كتاب الإيمان، باب معرفة طريق الرؤية، حديث رقم ١٨٢) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه الطويل في الشفاعة ومجيء الرب تبارك وتعالى لفصل القضاء بين عباده يوم القيامة.
وروى ابن أبي حاتم في تفسيره (ج٢، ص٣٨٧) عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «الغمام الذي يأتي فيه الله والملائكة سحاب أبيض رقيق لم ير مثله، تسبح فيه الملائكة».
التخريج الحديثي وضبط الروايات:
حديث مجيء الرب تبارك وتعالى لفصل القضاء: أخرجه ابن حبان في صحيحه (رقم ٧٣٤٠)، والحاكم في المستدرك (ج٢، ص٣٧٥) وصححه ووافقه الذهبي، من حديث ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «يجمع الله الناس يوم القيامة... فينزل الله عز وجل في ظلل من الغمام، فيقضي بين عباده».
*صحيحه* (كتاب الإيمان، باب معرفة طريق الرؤية، حديث رقم ١٨٢)مصدر غير محددحديث رقم ١٨٢*المستدرك* (ج٢، ص٣٧٥)المستدرك على الصحيحينالحاكم النيسابوري٢/٣٧٥*تفسيره* (ج٢، ص٣٨٧)مصدر غير محدد٢/٣٨٧*صحيحه* (رقم ٧٣٤٠)مصدر غير محددحديث رقم ٧٣٤٠
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
يَنْظُرُونَ
النظر ها هنا بمعنى الانتظار والتربص؛ يقال: نظرت فلاناً إذا انتظرته وتوقعته، ومنه قوله تعالى: ﴿انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ﴾.
ظُلَلٍ
جمع ظُلَّة، وهي كل ما أظلك من سحاب أو بناء أو شجر، وأريد بها هنا السحاب الكثيف المرتفع المتراكم بعضه فوق بعض.
الْغَمَامِ
جمع غمامة، وهو السحاب الأبيض الرقيق، وسمي غماماً لأنه يَغُمّ السماء أي يسترها ويغطيها.
وَقُضِيَ الْأَمْرُ
القضاء هو الحكم والفصل وإمضاء التدبير؛ والمعنى: فرغ من محاسبة الخلائق واستقر أهل الجنة في الجنة وأهل النار في النار.
هَلْ
حرف استفهام متضمن معنى النفي والإنكار والتوبيخ، أي: ما ينتظرون.
يَنْظُرُونَ
فعل مضارع مرفوع بثبوت النون، والواو فاعل.
إِلَّا
أداة حصر.
أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ
﴿أنْ﴾ مصدرية ناصبة، ﴿يَأْتِيَهُمُ﴾ فعل مضارع منصوب بالفتحة، والهاء مفعول به، والمصدر المؤول في محل نصب مفعول به لينظرون، واسم الجلالة ﴿اللَّهُ﴾ فاعل مرفوع بالضمة الظاهرة.
فِي ظُلَلٍ
جار ومجرور متعلق بمحذوف حال من الفاعل أو من المفعول، أو متعلق بالفعل يأتيهم.
مِنَ الْغَمَامِ
جار ومجرور متعلق بنعت لـ ﴿ظُلَلٍ﴾.
وَالْمَلَائِكَةُ
قرأ الجمهور بالرفع ﴿وَالْمَلَائِكَةُ﴾ عطفاً على اسم الجلالة، أي: وتأتيهم الملائكة. وقرأ ابن مسعود وعكرمة والأعمش بالجر ﴿وَالْمَلَائِكَةِ﴾ عطفاً على ﴿ظُلَلٍ﴾ أو ﴿الْغَمَامِ﴾، أي: في ظلل من الغمام ومن الملائكة.
وَقُضِيَ الْأَمْرُ
الواو استئنافية أو عاطفة، ﴿قُضِيَ﴾ فعل ماضٍ مبني لما لم يُسمَّ فاعله، و﴿الْأَمْرُ﴾ نائب فاعل مرفوع، والتعبير بالماضي لتحقق الوقوع وثبوته حتماً.
وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ
قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وعاصم ﴿تُرْجَعُ﴾ بضم التاء وفتح الجيم مبنياً للمجهول، وقرأ حمزة والكسائي ويعقوب بفتح التاء وكسر الجيم ﴿تَرْجِعُ﴾ مبنياً للفاعل.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
وجه المناسبة بين الآية وما قبلها:
بعد أن قال ﴿فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾، قرر في هذه الآية المشهد الحاسم الذي تظهر فيه عزة الله وحكمته المطلقة عياناً لا مراء فيه، وهو يوم القيامة حين تنشق السماء بالغمام وينزل الملك القدوس لفصل القضاء، فسألهم سؤال تقريع: علامَ التلكؤ والتأخر عن الإيمان؟ أينتظرون هذا اليوم المهول حين لا ينفع نفساً إيمانها؟!
التناسب الداخلي وبناء الفاصلة القرآنية:
التعبير بقوله ﴿وَقُضِيَ الْأَمْرُ﴾ بصيغة المضي على الرغم من أنه في المستقبل للدلالة على القطع واليقين؛ فكأن المحاسبة قد فُرغ منها وانتهت.
ختم الآية بقوله ﴿وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ إعلان بأنه المرجع الأوحد الذي لا معقب لحكمه ولا رادّ لقضائه، فتسقط كل الدعاوى وتتلاشى كل الأوهام.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
منهج أهل السنة والجماعة في إثبات صفة الإتيان والمجيء لله تعالى:
قال أئمة السلف (مالك، والثوري، والأوزاعي، وأحمد، والشافعي، وإسحاق): نُمرّ آيات الصفات وأحاديثها كما جاءت من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل؛ فالله تبارك وتعالى يأتي يوم القيامة لفصل القضاء إتياناً يليق بجلاله وعظمته، لا يشبه إتيان المخلوقين، كما قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾.
والقول عند المحققين من أهل السنة (ابن تيمية في درء تعارض العقل والنقل ج٢، ص٢٥): أن الإتيان صفة فعلية لله تعالى، لا تستلزم حركة مخلوقة ولا انتقالاً حيزياً تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً، بل نؤمن بأنه يأتي كما يشاء على الوجه اللائق بكماله.
وأما من تأول من الخلف بأن المعنى: «يأتي أمر الله أو عذابه» كقوله في سورة النحل: ﴿أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ﴾، فهو تأويل مسوغ لغوياً عند أهل التأويل لدفع توهم التشبيه، إلا أن مذهب السلف أسلم وأحكم بإثبات اللفظ والمعنى وتفويض الكيفية مع تنزيه الباري سبحانه عن مشابهة الأجسام والحوادث.
الاستفهام الإنكاري التوبيخي في ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ﴾، وفائدته إيقاظ الغافلين من سباتهم، وتصوير تباطئهم عن قبول الحق كأنه انتظار للمفاجأة الكبرى التي تحيط بهم وتذهب بأمنهم.
إيثار لفظ ﴿الْغَمَامِ﴾ دون السحاب؛ لأن الغمام سحاب أبيض ناصع، ونزول هذا المشهد المهيب من خلال هذا النور المضيء أشد إبهاراً للعيون وأعظم إثارة للرهبة والجلال في نفوس الخلائق.
الإشارات الإيمانية ولطائف التدبر:
قال ابن رجب الحنبلي في جامع العلوم والحكم (ص٢٤٠): «ما من عبد يتأمل مشهد يوم الفصل ونزول الملك الجبار وقضاء الأمر إلا طار لبه، وصغرت الدنيا في عينيه، وعلم أن الموئل والملجأ لا يكون إلا بالدخول التام في طاعة الله قبل فوات الأوان».
*جامع العلوم والحكم* (ص٢٤٠)جامع العلوم والحكم في شرح خمسين حديثا من جوامع الكلمابن رجب الحنبلي٢٤٠
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الثمرات السلوكية والتطبيق المعاصر:
الخوف والوجل من هول المطلع وموقف الحساب، والمسارعة إلى التوبة الصادقة والمصالحة مع الله قبل أن يقضى الأمر وتغلق صحائف الأعمال.
اليقين بأن كل الأمور والمظالم والنزاعات مرجعها إلى الله تعالى ليقضي فيها بحكمه العدل، مما يبعث في قلب المؤمن الطمأنينة والصبر على الابتلاءات.
شهادات الأعلام ورؤى المصلحين:
كتب القرطبي في الجامع لأحكام القرآن: «الآية زجر بليغ وتخويف عظيم؛ أي لا ينتظر المفرط المعرض إلا هذا المشهد الرهيب، فهل ينتظر إلا ما يوجب هلاكه وخسرانه؟! فليبادر بالتوبة مادامت المهلة قائمة».
الدلائل والإشارات:
تقرير أهوال يوم القيامة وإثبات مجيء الرب سبحانه لفصل القضاء بين العباد: ﴿أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ﴾.
انقطاع التكليف وإمضاء القضاء الحتمي حين قيام القيامة: ﴿وَقُضِيَ الْأَمْرُ﴾.
التهديد البالغ للمترددين والمتقاعسين عن قبول الشريعة والانقياد لها.
إرجاع الأمور كلها صغيرها وكبيرها إلى حكم الله وقضائه المطلق: ﴿وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾.