أخرج ابن أبي حاتم في تفسيره (ج٢، ص٥٢٠)، وابن حبان في صحيحه (رقم ٧١٥٠)، والحاكم في المستدرك (ج٢، ص٢٣) وصححه ووافقه الذهبي، من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: لما نزلت هذه الآية: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً﴾، قال أبو الدحداح الأنصاري رضي الله عنه: يا رسول الله، وإن الله ليريد منا القرض؟! قال: «نعم يا أبا الدحداح»، قال: أرني يدك يا رسول الله، فناوله يده، قال: «فإني قد أقرضتُ ربي حائطي (وكان له بستان فيه ستمائة نخلة وفيه منزله وعياله)»، فجاء أبو الدحداح حتى نادى امرأته أم الدحداح وهي في الحائط مع صبيانها فقال: اخرجي يا أم الدحداح من الحائط؛ فإني قد أقرضته ربي عز وجل! فقالت: ربح بيعك يا أبا الدحداح! وخرجت بصبيانها وأفرغت ما في أفواههم وأكمامهم من التمر، فقال رسول الله ﷺ: «كم من عِذْقٍ رَدَاحٍ (ممتلئ بالرطب الثمين) في الجنة لأبي الدحداح!».
الآثار والمرويات التفسيرية المسندة:
أخرج البخاري في صحيحه (كتاب التفسير، باب قوله: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾، حديث رقم ٤٥٣٧) ومسلم في صحيحه (حديث رقم ١٠١٤) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «من تصدق بعدل تمرة من كسب طيب، ولا يقبل الله إلا الطيب، فإن الله يتقبلها بيمينه، ثم يربيها لصاحبها كما يربي أحدكم فَلُوَّهُ (مُهره الصغير) حتى تكون مثل الجبل».
التخريج الحديثي وضبط الروايات:
أخرج الطبري في تفسيره (ج٤، ص٥٦٠) عن ابن عباس رضي الله عنهما في بيان القرض الحسن: «هو الصدقة والنفقة في سبيل الله من كسب حلال طيب عن طيب نفس واحتساب للأجر».
*صحيحه* (حديث رقم ١٠١٤)مصدر غير محددحديث رقم ١٠١٤*المستدرك* (ج٢، ص٢٣)المستدرك على الصحيحينالحاكم النيسابوري٢/٢٣*تفسيره* (ج٢، ص٥٢٠)مصدر غير محدد٢/٥٢٠*تفسيره* (ج٤، ص٥٦٠)مصدر غير محدد٤/٥٦٠*صحيحه* (رقم ٧١٥٠)مصدر غير محددحديث رقم ٧١٥٠
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
مَنْ ذَا
اسم استفهام يتضمن معنى الترغيب والحث والاستنهاض للبذل؛ كأنه استدعاء للمتسابقين في ميدان التجارة الرابحة.
يُقْرِضُ
القَرْض في أصل اللغة: القطع؛ يقال: قرض الفأر الثوب وقرضت الشيء بالمقراض إذا قطعته؛ وسُمي القرض قرضاً لأن الدافع يقطع قطعة من ماله فيعطيها لغيره على أن تعود إليه؛ واستعير هنا للإنفاق في سبيل الله لإفادة أن هذا المال المقطوع محفوظ مضمون العودة مع أرباح مضاعفة هائلة.
حَسَنًا
نعت للقرض؛ والحسن: ما جمع شروط القبول: أن يكون من مال حلال، وخالصاً لله بلا رياء، ومبرأ من المن والأذى، وعن طيب نفس.
فَيُضَاعِفَهُ
قرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر والكسائي ويعقوب وعاصم في رواية شعبة ﴿فَيُضَعِّفَهُ﴾ بالتشديد وبغير ألف، وقرأ نافع وعاصم في رواية حفص وحمزة ﴿فَيُضَاعِفَهُ﴾ بالألف وتخفيف العين، وهما قراءتان متواتران تفيدان المبالغة والتكثير؛ وقرأ عاصم وابن عامر بالفتح نصباً ﴿فَيُضَاعِفَهُ﴾ على أنه جواب الاستفهام بأن مضمرة بعد الفاء، وقرأ الباقون بالرفع عطفاً على يقرض أو على الاستئناف.
اسم إشارة خبر المبتدأ، أو ﴿من ذا﴾ كلمة واحدة مبتدأ.
الَّذِي
اسم موصول بدل من اسم الإشارة أو خبر ثانٍ، وجملة ﴿يُقْرِضُ اللَّهَ﴾ صلته.
قَرْضًا
مفعول مطلق نائب عن المصدر أو مفعول به ثانٍ ليقرض، و﴿حَسَنًا﴾ نعت منصوب.
فَيُضَاعِفَهُ لَهُ
الفاء سببية، والمضارع منصوب بأن مضمرة في جواب الاستفهام، والهاء مفعول أول، ﴿له﴾ متعلق بيضاعف.
أَضْعَافًا
حال منصوبة أو مفعول مطلق، و﴿كَثِيرَةً﴾ نعت منصوب.
وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ
الواو استئنافية، مبتدأ وجملتان خبران.
وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ
الواو عاطفة، جار ومجرور متعلق بترجعون مقدم لإفادة الحصر، والفعل مبني لما لم يُسمَّ فاعله والواو نائب فاعل.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
وجه المناسبة بين الآية وما قبلها:
بعد أن أمر الله بالقتال في سبيله وبذل الأرواح في الآية السابقة: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾، أتبع ذلك مباشرة بالحث على بذل الأموال وتجهيز الجيوش وسد حاجات المجاهدين والفقراء؛ لأن الجهاد يحتاج إلى عمادين متلازمين: النفس والمال، فاستنهض الهمم بهذا التعبير الحاني المذهل: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ﴾.
التناسب الداخلي وبناء الفاصلة القرآنية:
تدرج الترغيب الإلهي: بدأ بالاستفهام المستنهض ﴿مَنْ ذَا﴾، ثم عبر عن الصدقة بالقرض تطييباً للنفس، ثم شرط الإحسان ﴿قَرْضًا حَسَنًا﴾، ثم رتب عليه الجزاء المذهل ﴿أَضْعَافًا كَثِيرَةً﴾.
ختام الآية بالصفتين الفعليتين ﴿وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ﴾ لكسر داء الشح؛ فالمال مال الله، وهو القابض الباسط، فلا يظنن الممسك أن إمساكه يزيده غنى، ولا المنفق أن إنفاقه يورثه فقراً، ثم التذكير بالمآل: ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ لنيل العطاء الخالد.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
تنزيه الجناب الإلهي ودحض جهالات اليهود:
لما نزلت هذه الآية قال بعض أحبار اليهود فجوراً وسفاهة: "إن الله فقير ونحن أغنياء، يستقرض منا أموالنا!" فأنزل الله رداً عليهم في سورة آل عمران: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾.
والتحقيق العقلي: أن الله تعالى هو الغني الحميد، مالك الملك، وخزائن السماوات والأرض بيده؛ وإنما سمى النفقة على الفقراء والمجاهدين "قرضاً" لله على وجه المجاز البديع واللطف بالعباد؛ تأكيداً على أنه سبحانه ضمن وفاء الثواب ومضاعفة الأجر كضمان القرض وأشد، وكرامة للفقير والمحتاج حتى لا يشعر بذل المنة، فكأن المنفق يتعامل مع الله مباشرة لا مع عبد فقير.
الاستعارة التمثيلية البليغة في قوله ﴿يُقْرِضُ اللَّهَ﴾؛ حيث مثل المعاملة الإيمانية بالإقراض المالي المضمون السداد بأرباح مضاعفة، وهو غاية التلطف والترغيب والتكريم للعبد المؤمن.
التنكير في ﴿أَضْعَافًا كَثِيرَةً﴾ لإفادة التعظيم وتجاوز الحساب؛ فالأضعاف تبدأ من عشر حسنات إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة لا يعلم مداها إلا الله.
الإشارات الإيمانية ولطائف التدبر:
انظر إلى الموقف الرباني لأبي الدحداح رضي الله عنه؛ كيف تحولت الآية في قلبه إلى حركة عملية فورية، فتنازل عن أعظم أملاكه وبستانه بغير تردد، وخرجت زوجته مؤيدة مستبشرة؛ تلك هي القلوب التي تذوقت حلاوة التجارة مع الله.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الثمرات السلوكية والتطبيق المعاصر:
المسارعة إلى بذل الصدقات والنفقات في وجوه الخير والمشاريع الإغاثية والدعوية من الكسب الحلال الخالص.
اليقين بأن الإنفاق سبب في بسط الرزق وبركته، وأن الشح سبب في قبضه ومحقه: «ما نقصت صدقة من مال».
شهادات الأعلام ورؤى المصلحين:
كتب الإمام ابن القيم في الفوائد (ص١٤٢): «أي كرم أعظم من هذا الكرم؟! المال ماله، والعبد عبده، والفضل كله له، ثم يسمي بذل العبد لما أنعم به عليه قرضاً، ويضمن له عليه أضعافاً كثيرة! فواحسرة من بخل على ربه بمثل هذا العطاء!».
الدلائل والإشارات:
الحث والترغيب العظيم في الإنفاق في سبيل الله وسائر وجوه البر: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ﴾.
تسمية الصدقة والنفقة "قرضاً لله" تلطفاً وتأكيداً على ضمان مضاعفة الأجر.
اشتراط طيب الكسب والإخلاص ليكون القرض حسناً: ﴿قَرْضًا حَسَنًا﴾.
إثبات صفتي القبض والبسط لله تعالى تصرفاً في الأرزاق والنفوس: ﴿وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ﴾.
التذكير بالمرجع الأخير والحساب بين يدي الله تعالى: ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾.