وقد حرر أئمة التفسير المسند (ابن جرير الطبري في «جامع البيان»، وابن كثير في «تفسير القرآن العظيم»، والبغوي في «معالم التنزيل»):
سبب النزول وتحقيقه الإسنادي:
الخطاب موجه لرسول الله ﷺ وأمته، وفيه استشهاد بحال بني إسرائيل وما عاينوه من الآيات والخوارق البينات (فلق البحر، والمن والسلوى، وتظليل الغمام، ونبع الماء من الحجر)، ثم تبديلهم لنعمة الله كفراً وجحوداً وعتواً، ليكون ذلك عبرة للمؤمنين وتحذيراً لهم من سلوك مسلكهم.
أخرج ابن أبي حاتم في تفسيره (ج٢، ص٣٩٠) عن قتادة قال: «هذا أمر لنبيه ﷺ أن يسأل بني إسرائيل توبيخاً لهم وتقريعاً على ما ضيعوا من آيات الله ونعمه التي بدلوها كفراً».
الآثار والمرويات التفسيرية المسندة:
روى البخاري في صحيحه (كتاب الأنبياء، باب ما ذكر عن بني إسرائيل، حديث رقم ٣٤٥٦) عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما، أن النبي ﷺ قال: «بلغوا عني ولو آية، وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج، ومن كذب عليّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار».
وأخرج مسلم في صحيحه (كتاب الزهد والرقائق، حديث رقم ٢٩٦٤) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي ﷺ في قصة الثلاثة من بني إسرائيل: الأبرص والأقرع والأعمى، وتذكير الملك لهم بنعمة الله وتبديل اثنين منهم النعمة بالجحود فشقيا، وشكر الثالث فنجا وسعد.
التخريج الحديثي وضبط الروايات:
أخرج الإمام أحمد في المسند (رقم ٢٠٥٢) وصححه أحمد شاكر، عن ابن عباس رضي الله عنهما في بيان معنى تبديل نعمة الله: «هم كفار قريش، ومحمد ﷺ هو نعمة الله التي بدلوها كفراً فكذبوه وحاربوه». فالآية عامة في كل من بدل نعمة الإيمان بالشرك، والهدى بالضلال.
*صحيحه* (كتاب الأنبياء، باب ما ذكر عن بني إسرائيل، حديث رقم ٣٤٥٦)مصدر غير محددحديث رقم ٣٤٥٦*صحيحه* (كتاب الزهد والرقائق، حديث رقم ٢٩٦٤)مصدر غير محددحديث رقم ٢٩٦٤*تفسيره* (ج٢، ص٣٩٠)مصدر غير محدد٢/٣٩٠*المسند* (رقم ٢٠٥٢)مسند الإمام أحمدأحمد بن حنبلحديث رقم ٢٠٥٢
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
سَلْ
فعل أمر من سأل يسأل، وحذفت همزته تخفيفاً لكثرة الاستعمال، وأصله اسأل، وفي لغة قريش وبني تميم ينقلون حركة الهمزة إلى الساكن قبلها فيقال: سَلْ.
كَمْ
خبرية تفيد التكثير، أو استفهامية معلقة للفعل سَلْ عن العمل، والمعنى: ما أكثر ما آتيناهم من الآيات.
آيَةٍ
العلامة والدلالة الواضحة المعجزة الدالة على صدق الرسل.
يُبَدِّلْ
من التبديل، وهو إزالة الشيء وجعل شيء آخر مكانه، وتبديل النعمة: كفرانها وصرفها في معصية الله بدلاً من شكره وطاعته.
شَدِيدُ الْعِقَابِ
العقاب مشتق من العَقِب؛ لأنه يأتي في عَقِب الذنب وجزاءً له.
سَلْ
فعل أمر مبني على السكون، والفاعل ضمير مستتر وجوباً تقديره أنت.
بَنِي إِسْرَائِيلَ
﴿بني﴾ مفعول به أول منصوب بالياء لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، وهو مضاف، و﴿إِسْرَائِيلَ﴾ مضاف إليه مجرور بالفتحة لمنعه من الصرف للعلمية والعجمة.
كَمْ
اسم مبني على السكون في محل نصب مفعول ثانٍ لآتيناهم، أو في محل نصب على المصدرية، أو مبتدأ و﴿آتَيْنَاهُمْ﴾ خبره، وجملة ﴿كَمْ آتَيْنَاهُمْ﴾ سدت مسد المفعول الثاني للفعل سَلْ لتضمنه معنى العلم والاستخبار.
مِنْ آيَةٍ
جار ومجرور تمييز لـ ﴿كَمْ﴾، و﴿بَيِّنَةٍ﴾ نعت مجرور.
وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ
الواو استئنافية، ﴿من﴾ اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، ﴿يُبَدِّلْ﴾ فعل مضارع مجزوم فعل الشرط وحرك بالكسر لالتقاء الساكنين، وفاعله مستتر تقديره هو، و﴿نِعْمَةَ﴾ مفعول به منصوب، واسم الجلالة مضاف إليه.
مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ
جار ومجرور متعلق بيبدل، و﴿ما﴾ مصدرية مع ما بعدها في تأويل مصدر مجرور بالإضافة.
فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ
الفاء رابطة لجواب الشرط، ﴿إنَّ﴾ حرف توكيد ونصب، واسم الجلالة اسمها، و﴿شَدِيدُ﴾ خبرها مرفوع وهو مضاف، و﴿الْعِقَابِ﴾ مضاف إليه مجرور، وجملة الشرط وجوابه خبر المبتدأ ﴿من﴾.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
وجه المناسبة بين الآية وما قبلها:
لما حذر الله المؤمنين من الزلل بعد مجيء البينات بقوله: ﴿فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾، ضرب لهم مثلاً واقعياً تاريخياً من بني إسرائيل الذين أوتوا الآيات البينات والخوارق العظام، ولكنهم بدلوها كفراً وقتلوا الأنبياء وعاندوا الرسل، فحل بهم عذاب الله وغضبه، ليرى المؤمنون مصير من يفرط في البينات.
التناسب الداخلي وبناء الفاصلة القرآنية:
مقابلة التكثير في ﴿كَمْ آتَيْنَاهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ﴾ بفظاعة النكوص في ﴿وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ﴾، ثم التعقيب الحاسم بالفاصلة ﴿فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾، لإشعار السامع بأن توالي النعم إذا قوبل بالجحود استجلب صبغة العذاب الشديد.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
حقيقة تبديل النعم وسقوط الأمم:
الآية تؤسس لنواميس تاريخية حتمية؛ فالأمم لا تسقط ولا تهلك بمجرد الجهل، بل بهلكتها حين تستبين لها معالم الحق وتغمرها نعم الوحي والتمكين، فتستبدل بالوحي أهواءها وبالشكر فجورها. وتبديل النعمة يشمل استبدال الشرك بالتوحيد، وتطويع الشرائع للأطماع المادية، واستبدال التفسخ الأخلاقي بالطهارة.
سؤال بني إسرائيل والغرض منه:
لم يكن السؤال لطلب المعرفة المستفادة من جهتهم، بل هو سؤال تقريع وتوبيخ وتشهير بجحودهم، وإشهاد للتاريخ على نقضهم للمواثيق، ليتعظ الحاضرون ويحذروا طريق المغضوب عليهم.
إطلاق النعمة على الآيات البينات ﴿وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ﴾؛ لأن الآيات والدلائل الهادية هي أجلّ النعم على الإطلاق، إذ بها تحصل النجاة الأبدية وسعادة الدارين، فمن كفر بها فقد بدل أجلّ النعم بأشنع النقم.
إيجاز الحذف في جواب الشرط؛ حيث التقدير: ومن يبدل نعمة الله يعاقبه الله فإن الله شديد العقاب.
الإشارات الإيمانية ولطائف التدبر:
قال الحسن البصري رحمه الله: «إن الله ليمتع بالنعمة ما شاء، فإذا لم يشكر قَلَبها عذاباً، ولهذا كانوا يسمون الشكر: الحافظ والجالب؛ يحفظ النعم الموجودة، ويجلب النعم المفقودة».
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الثمرات السلوكية والتطبيق المعاصر:
شكر نعمة الهداية والقرآن الكريم ورسالة النبي محمد ﷺ بالثبات على المنهج والعمل الجاد لحمايته ونشره.
التحذير البالغ للأمة الإسلامية من أن تسير في مسالك التبديل والانحلال التي سلكها بنو إسرائيل، فيصيبها ما أصابهم من العقوبة والاستبدال.
شهادات الأعلام ورؤى المصلحين:
كتب ابن عاشور في التحرير والتنوير: «في هذا التعريض بأهل الكتاب ما فيه تحذير عظيم للمسلمين من أن يقعوا في مثل ما وقع فيه أولئك؛ فإن النعمة إذا لم تقابل بالقبول والامتثال انقلبت نقمة مستطيرة».
الدلائل والإشارات:
كثرة وعظمة الآيات والمعجزات التي أوتيها بنو إسرائيل: ﴿كَمْ آتَيْنَاهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ﴾.
تسمية الوحي والدلائل الإلهية "نعمة": ﴿نِعْمَةَ اللَّهِ﴾ لما فيها من الخير العميم.